لن نستطيع بسهولة أن نجد الإجابة الواضحة على هذه الأسئلة فيما نقرؤه أو نشاهده على المسرح. إن كل ما يمر أمامنا هي صور رمزية تعبر عن الحالة الأولى للبشرية، أو الوضع الأصلي للإنسان في حضن الطبيعة والفطرة (وقد كان هذا هو الموضوع الذي شغل الأذهان في ذلك العصر تحت تأثير كتابات «روسو»، التي ربطت التمدن بالانحلال والتدهور، ودعت بقوة للرجوع للطبيعة والفطرة الأصلية).
وقد تأثرت بخيله الأدباء والشعراء تأثرا كبيرا بلغة روسو وصوره الشاعرية والعاطفية الموحية. وها نحن نرى في هذا الفصل الثاني ثلاث صور ترمز لذلك الوضع الأصلي الأول؛ فالأولى تصور بناء أول كوخ أو أول مسكن بشري؛ ومن ثم دخول ظاهرة الملكية في العالم. لقد كان بناء أول كوخ في نظر روسو لحظة درامية أو بالأحرى «ثورة أولى»، عرضها بأسلوبه المتوهج عرضا ثوريا في الجزء الثاني من مقاله الشهير عن المساواة، لكن هذا المشهد يخلو في الشذرة المسرحية من أي روح درامية؛ إذ يبدو بروميثيوس فيه متدثرا في ثوب المربي والمشرع الحكيم، والموجه إلى النظام الأخلاقي والقانوني الذي يحمي المدينة أو المجتمع البشري الأول من الوقوع تحت سطوة شريعة الغاب (وهذا هو ما يوضحه النزاع بين رجلين على ملكية عنزة أراد أحدها أن ينتزعها بالقوة من الآخر). وتأتي الصورة الرمزية الثالثة معبرة عن قدرة الطبيعة على الشفاء من الهم والسقم. والحقيقة أن بروميثيوس لا يلتف هنا في مسرح الساحر ولا في ثياب الطبيب، وإنما يوجه «مخلوقاته» إلى نظام أزلي سابق يكمن في قدرة الطبيعة على الإنعام على البشرية التي تنمو فيها وتجربها وتحبها بالخلاص من الأوجاع والآلام. لم تكن هذه البشرية إذن في حالتها «الأصلية» حرة ومتمتعة بالصحة وطيبة وسعيدة، كما زعم روسو، بل كانت نشطة وكسولة، قاسية ووديعة، كريمة وبخيلة.
كانت هذه البشرية الأصلية شبيهة بكل إخوتها الذي قدر لهم أن يتتابعوا في أجيال مختلفة عبر التاريخ. لم تكن إذن أفضل ولا أسوأ ممن جاءوا بعدها في أزمنة لاحقة؛ فالجميع تنطبق عليهم الأضداد التي عبر بها بروميثيوس عن نفسه في بداية هذا المشهد؛ يتعذبون مثله ويبكون، يستمتعون ويفرحون. وهكذا نجد أنه لم يخب أمله في مخلوقاته الحية التي جاءت على شاكلته، وتنطوي طبيعتها مثلما انطوت طبيعته على المتناقضات والأضداد المتعارضة، وكأني به يشير قائلا للفنان والمبدع الحقيقي وكلهم في النهاية بروميثيوس حقيقي: ترفقوا بمخلوقاتكم، ولا تسمحوا للصراع أو التناقض أن يوسع الهوة بينكم. إن طبيعتهم صورة أخرى من طبائعكم، وكلاكما ينمو بالضرورة داخل نظم حية متطورة تعمل على تكوينه على ما هو عليه. (د)
ويأتي المشهد الأخير من الفصل الثاني، فيقدم لنا بروميثيوس الثائر الغاضب المتحدي في صورة الحكيم المفسر للوجود والمبشر به؛ لذلك لا يدهشنا أن تتردد في الأجزاء الثلاثة لهذا المشهد كلمة «الموت» بظلالها الداكنة، وأصدائها الغامضة النابضة بالشجن والأنين.
والفقرة الأولى من هذا المشهد الأخير تقدم لنا ذهول باندورا وحيرتها أمام التجربة التي تصادف أن مرت بها دون أن تقدر على فهمها، ويأتي تفسير الحالة النفسية التي عانتها الفتاة، وعبرت فيها بصورة غير واعية عن حنينها الجارف إلى الحب ، واستعدادها للتضحية والعناء في سبيل المحبوب. ويكرر بروميثيوس كلمة الموت المظلمة بوصفها تعبيرا عن ماهية اللحظة الفارقة التي تحقق فيها ذلك الحنين إلى التضحية والفداء والفناء في المحبوب؛ أي لحظة الموت التي تعلو فيها الذات على ذاتها وهي تفارقها. وهكذا تفاجأ ببروميثيوس آخر غير الثائر والغاضب العنيد الذي عرفناه في كل من الأنشودة والمشاهد الأولى من الفصل الأول، وكذلك غير بروميثيوس المربي والموجه والحكيم الذي رأيناه مع مخلوقاته في المشاهد الأولى من الفصل الثاني. إنه الآن وجه «ديونيزي» تملؤه تباريح الألم من المصير المأسوي المحترم الذي ينتظر الإنسان، هو يقف على شفا الحفرة المظلمة، سواء فهمناها على أنها حفرة الموت أو حفرة الحب الذي شده نحو مينرفا أو نحو باندورا. (ه)
وتأتي الخاتمة معبرة عن تصور جوته للتجربة التراجيدية أو الأيونيزية للحياة: ليس الموت أبدا هو الهدف الأخير، ولا ينبغي أن يكون هو الهدف الأخير الذي تسعى إليه مخلوقاته الحية؛ فالموت تعقبه صيرورة جديدة يتحول معها البشر إلى حياة خالدة يستردون فيها قوتهم وعافيتهم وإقبالهم على الفرح والمسرة. أهو إيمان مبكر وغامض بخلود الروح الإنساني؟
ليس بإمكاننا تقديم تفسير أوضح لهذه الخاتمة المحيرة، لكنها تؤكد على كل حال أن الشاعر لو قدر له أن يكمل المسرحية لما استطاع أبدا - كما زعم أكثر من مرة بعد تقدمه في العمر - أن يبدأ فصلها الثالث بالقصيدة أو المونولوج الغاضب الذي سبق أن حللناه، ونشر مستقلا عن النص المسرحي.
4
والسبب في ذلك أنه كان في نهاية الفصل الثاني قد دخل عالم بروميثيوس آخر، تشع من جبينه وعيونه حكمة الكاهن أو العراف أو القديس الزاهد في الثورة بمعناها الغاضب والصارخ والمتحدي، الداعي إلى ثورة أخرى أعمق وأبقى وأقدر على إبداع «مخلوقات» يعجز الزمن الذي يبتلع كل شيء عن التهامها في جوفه. (و)
مع من إذن كان من الممكن أن تتصور الصراع الدرامي في الفصل الثالث أو في فصول أخرى محتملة؟ في تقديري أننا لا يمكن أن نتوقعه بينه وبين آلهة الأوليمب وكبيرهم، الذين أبلغوه على لسان مينرفا ومركور أنهم يباركون بث الحياة في أشكاله وصوره وتماثيله من منطلق نفعي بحت (وهو أن يزيد عدد عبيدهم والأضحيات التي سيقدمونها لهم كما سبق القول). هل نتصور أنه كان من الممكن أن يجعل آلهة الأوليمب تشن حملة عليه، وترسل من يقيده إلى جبل القوقاز، ويسلط النسر المخيف على كبده كما تقول المادة المأثورة للأسطورة، كما عرفها من المعاجم الكلاسيكية، ومن قراءته لمسرحية أيسخيلوس؟ ولكن هذا لم يكن ممكنا بعد أن باركت مخلوقاته وإبداعاته، كما أن الشاعر نفسه استبعد عن ذهنه فكرة ذلك العقاب، ونفر منها بطبعه.
Bilinmeyen sayfa