141

وليس الغرض فى هذا الكتاب هذا، بل الغرض أن من الشرور ما يوجد له خير بضاده، وشر أيضا يضاده، وذلك إذا كانت هناك طبيعة موضوعة للإفراط والتفريط، من أول حدود الإفراط إلى آخر حدود التفريط، ذاهبا باتصال واحد. فهناك يوجد متوسط وطرفان فى الطبع، ويكون المتوسط خيرا أيضا يضاد الطرفين اللذين يضاد كل واحد منهما الآخر، وهذا فى يسير من الأمور. وليس الحكم فى كل الأمور هكذا، فان العلم خير، والجهل شر، وليس هناك للشر ضد إلا الخير. وليس هناك وسط هو خير وطرفان هما شر، وكذلك الحال فى أشياء أخرى كثيرة. فهذا معنى ذلك الكلام للمعلم الأول، إليه ذهب، ولم يلتفت إلى متوسط بين الطرفين للإفراط والتفريط وضعيين، كما ذهب إليه هذا الشارح. ولو ذهب إلى ذلك، لكان إنما يرينا أن الشر ليس الذى يضاده فلان، وليس غرضه أن يرينا هذا، بل غرضه أن يرينا أن الشر الذى يضاده الخير، يضاده الشر، وربما لم يضاده. وليس فى الذى أوردوه من أمر التوسط ذلك. وأما حديث القتل أيضا، فإنه ليس مثالا حسنا فى ذلك، لأن قتل من ينبغى حين حين ينبغى على الوجه الذى ينبغى، هو من أفعال الشجاعة، ومن الواجب فى حفظ المدينة، وهو خير، كما أن ترك قتل من ينبغى قتله على الوجه الذى ينبغى وحين ينبغى، هو من الشر. وبعد هذا، فيجب أن نعود إلى عادتنا فى التعقب، فنقول: ينبغى أن تعلم، أن الخير ليس يضاد كل واحد من الرين بالذات، لأن الشجاعة ليست تضاد الجبن من حيث هو جبن، بل من حيث يشارك الجبن التهور. وذلك لأنه رذيلة مخسة للنفس، والشجاعة فضيلة، فإذن الضم بالذات للواحد واحد. وتحصيل هذا، أن النظر فى هذه الملكات هو على وجهين. نظر فى طبائعها ومعانيها، غير مضافة إلى موضوعاتها من حيث أنها تفيدها حالا يلزم موضوعاتها لأجلها محمدة أو مذمة أو منفعة أو مضرة، وهو أن ينظر فى جملة الطبيعة التى بين الجبن والتهور، مارا على الشجاعة من حيث هى ملكات يصدر عنها أفعال ما، فحينئذ لا نجد الشجاعة مضادة لأحد الطرفين، بل تكون أمرا متوسطا، ويكون الطرفان هما المتعاقبان على موضوع واحد، وبينهما غاية البعد، فيكونان هما الضدان فقط؛ والثانى، نظر فيهما من حيث الحال التى تحصل لموضوعها منها، وذلك باعتبار أنها أمور تناسب مصلحة نفس الانسان أو نوع الإنسان أو لا تناسبه، وهذا اعتبار أمر يعرض للكيفيات، من جهة إضافات لها وليس فى ذواتها. كما أن كون الشىء حارا أو باردا، غير كونه موافقا وصحة، وكون الجسم فى طبيعته بحال، غير كونه دواء نافعا أو سما قاتلا، فتكون الخيرية والشرية أمرين يلزمان هذه الكيفيات من جهة مقايستها إلى الطبيعة الإنسانية، ولذلك لا يلزمانها من جهة مقايستها إلى أبدان حيوانات أخرى.

Sayfa 146