The Explanation of the String of Pearls in the Sincerity of the Word of Unity
شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد
Genres
الإستعانة عبادة بالكتاب والسنة
إن الاستعانة عبادة، وهي نصف الدين، ووجب علينا تأصيلًا أن نبين من الأدلة الشرعية كيف تكون الاستعانة عبادة، وهل هي بالأهواء؟ وهل هي بالبدع والضلالات، أم هي بالآثار؟ فنقول: إن الأصل في العبادة أنها توقيفية، ومعنى توقيفية: أننا لا نعبد الله إلا بالسماع، والسماع لا يكون إلا من الكتاب أو السنة، ولا نقول: زيادة الخير خير، كما قال الرجل للإمام مالك عندما أراد أن يحرم من قبل الميقات، فقال له مالك: لا تفعل.
قال: ولم لا أفعل، فزيادة الخير خير.
فقال له الإمام: أخشى عليك من قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣].
فأنت قد تقدمت بين يدي رسول الله ﷺ بِفعْلَه قصر عنها ﵊.
إذًا: التوقيف في العبادة: أن تقف عند ما أمر الله، إذ المشرع هو الله.
وهنا
السؤال
هل رسول الله ﷺ مشرع أو ناقل للشرع؟
و
الجواب
أن المسألة على خلاف بين أهل الأصول، فبعضهم يقول: بأن النبي ﷺ لا يكون مشرعًا، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] و(الأمر) هنا بمعنى: التشريع، فكما حصر الخلق له فقد حصر التشريع له جل في علاه، وقوله تعالى مبينًا وظيفة النبي ﷺ: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد:٤٠]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [النور:٥٤]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧].
فهذه الأدلة كلها تتظافر وتبين لنا بأن النبي ﷺ ناقل للشرع مبلغ فقط عن الله جل وعلا.
وبعض الأصوليين قالوا: لا، فالنبي ﷺ قد أعطاه الله حق التشريع، وعندنا أدلة على ذلك، منها: ما فعله النبي ﷺ مع ابن أم مكتوم، وذلك عندما تجنبه وذهب يدعو كبراء قريش، لعل الله أن يهديهم للإسلام، أيضًا: عندما مال النبي ﷺ إلى كلام أبي بكر ﵁ في شأن أسرى بدر، كذلك قوله ﷺ: (إنما حرم رسول الله كما حرم الله) أي: أنه تحريم جاء من الله جل في علاه.
فهذه أقوال أهل الأصول في المسألة، والصحيح والراجح أنه ﷺ ناقل للشرع وليس له أن يشرع، لكن له أن يجتهد في الأحكام، ولا يوافق على الاجتهاد الذي أخطأ فيه كما بينا في هذه الوقائع، فهذه اجتهادات من النبي ﷺ وما أقره الله جل وعلا عليها، قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى﴾ [عبس:١ - ٢] وعاتبه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [التوبة:٤٣] وغيرها من الاجتهادات التي اجتهدها النبي ﷺ ولم يقره الله عليها.
وعلى هذا فالأصل في العبادات التوقيف، أي: نسمعها من النبي ﷺ بالوحي الذي أنزل عليه من عند ربه جل في علاه، وإذا كانت العبادات الأصل فيها التوقيف، إذًا لابد من أدلة على أن الاستعانة عبادة، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة: قال الله تعالى في افتتاح السورة التي لا يتركها أحد في صلواته: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] إلى أن قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، فهذه دلالة على أن الاستعانة عبادة، فإذا قلت: عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، أيضًا قال الله تعالى في سورة يوسف عن يعقوب أنه قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] فاستدل أهل العلم أيضًا بهذه الآية على أن فيها دلالة على أن الاستعانة عبادة.
وأما من السنة النبوية فقد جاء في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ أنه قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز).
جاء عند الترمذي وأحمد عن ابن عباس ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال له: (إذا استعنت فاستعن بالله).
فهذه أدلة متوافرة متظافرة تبين لنا أن الاستعانة عبادة.
فوجه الدلالة من الآية الأولى: أن الله جل وعلا عطف الاستعانة على العبادة، فدل ذلك على أنهما يشتركان في الحكم، وهو العبادة والتعبد لله بذلك، أيضًا: هذه الآية خبر يراد بها الإنشاء، وكأن الله جل وعلا يقول: استعن بي إن أردت عبادتي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فكيف يعبد المرء ربه جل في علاه؟ فقال الله جل وعلا آمرًا إياه: استعن بي على عبادتي أعينك كيف تعبدني.
أما بالنسبة للآية الثانية: ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] فهو قد طلب العون من الله، أيضًا: أن الله أقره على ذلك، كذلك: أن سياق الآية سياق مدح ليعقوب؛ لأنه كان يتعبد لله ويصرف لله هذه العبادة ويقول: أنا أستعين بالله على ما أنا فيه من البلاء، إذ البلاء يستلزم صبر ورضا، والصبر والرضا عبادة، فلا تكون إلا بالاستعانة، فقال: هذا البلاء الذي نزل علي بسببكم الله المستعان عليه، فأنا أستعين بالله لأصبر على هذه البلية ولأرضى بها، فاستعان بالله على هذه العبادة الجليلة.
وأما بالنسبة للأحاديث فظاهرة جدًا، قال النبي ﷺ: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز).
فقوله: (استعن) أمر، وأمر النبي ﷺ ظاهره الوجوب، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله تعالى ينزل تحت مسمى العبادة، والعبادة في الشرع: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فإذا أمرك الله بأمر فقد أحب ذلك، وما أحبه الله فهو عبادة.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] فقوله: (وأقيموا) أمر، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله ينزل تحت مسمى العبادة؛ لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، إذًا: فالصلاة عبادة.
ومثله أيضًا قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] فاجتناب الخمر عبادة، وذلك أن اجتناب الخمر يحبه الله تعالى، فترك المنهي عنه يحبه الله جل في علاه، وإذا أحب الله ترك شيء فإن هذا الترك محبوب لله، إذًا: ينزل تحت مسمى العبادة، إذ العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
ومثله أيضًا: قوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦].
فالوضوء عبادة؛ لأن الله قد أمر به، والله لا يأمر إلا بما يحب، وما أحبه الله ينزل تحت مسمى العبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وأما قول النبي ﷺ لـ ابن عباس: (وإذا استعنت فاستعن بالله) فوجه الدلالة من الحديث على أن الاستعانة عبادة من وجهين: الوجه الأولى: أن قوله: (فاستعن) أمر، وهذا أمر من رسول الله، والرسول لا يأمر إلا بما يحب وما يحبه الله، فينزل تحت مسمى العبادة، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
الوجه الثاني: أن التوحيد هو أن تستعين بالله وحده لا شريك له، فهذا وجه يبين لنا أن الاستعانة عبادة؛ لأنها لا تصرف إلا للمليك المقتدر جل في علاه.
إذًا: الاستعانة عبادة ثابتة بالشرع، ونأتي إلى القاعدة التأصيلية في مسائل التوحيد (توحيد الإلهية) وهي: أن كل عبادة ثبتت بالشرع فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.
2 / 5