{ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ثم لتراخى الزمان أو المعنى، أى أعظم أحوالهم فى العجز عن النجاة وإنكار الإشراك، والمصدر من أن والفعل بعدها بمنزلة العلم، وبذلك كان هو الاسم وفتنة الخبر، كأنه قيل: لم يكن فتنة إلا قولهم، وأنث القول بتاء تكن لتأنيث الخبر، والمراد بالفتنة كفرهم باتخاذ غير الله وليا، أى لم يكن عاقبة شركهم إلا تبرؤهم منه، كقولك لمن رأيته يحب إنسانا مذموم العاقبة: ما كان حبا منك له إلا أن فررت منه، كما تجعل عاقبة الشئ عينه ادعاء، أو يقدر سبب فتنتهم، ولما حذف المضاف أنث الفعل، وذلك أنهم تهالكوا على حب الشرك، أو الفتنة للتخلص، كقولك فتنت الذهب إذا أزلت رداءته بالنار، توهموا أن قولهم: والله ربنا إلخ، معذرة صارفة لهم، والفتنة ما يحب الإنسان ويعجب به، وكانوا يفتخرون بشركهم، أو الفتنة الجواب لأنهم قصدوا به الخلاص، أو أنه كذب، فقد كذبوا فى الآخرة كعادتهم فى الدنيا، بل بنفى الشريك، وتأكيد النفى بالقسم، فذلك كذبان، وحينئذ يختم على أفواههم، وتشهد جوارحهم، ففى موطن من مواطن الأخرة لا يكتمون الله حديثا، وفي موطن يكتمون بالكذب وفي موطن يسألون أجمعون، وفى موطن لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان، والآية ناطقة بأن الكفار يكذبون فى الآخرة كالدنيا، وذلك قول الجمهور، وقال أبو على الجبائى من المعتزلة، والباقلانى: لا، لظهور الأمر وكون الكذب لا ينفعهم، وأجابوا عن الاية بأن المراد ما كنا مشركين في اعتقادنا أن عبادة الأصنام نتقرب بها إلى الله لا عبادة بالذات، وبأن معنى قوله:
{ أنظر كيف كذبوا على أنفسهم } أنهم كذبوا فى الدنيا بأمور يخبرون عنها بخلاف الواقع، كقولهم: تقربنا إلى الله زلفى، وأجاب الجمهور بأنهم يكذبون فى الآخرة مع انكشاف الأمر وعدم الانتفاع بالكذب للتحير والدهش من شدة الأمر حتى نسوا أو تعمدوا الكذب، وبأن حمل كذبوا على أنفسهم على كذب الدنيا تعسف، لأن ما قبل هذا وما بعده فى شأن الآخرة، وأيضا قال الله عز وجل
يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم
- أى فى الدنيا - [المجادلة: 22] { وضل } ذهب { عنهم ما كانوا يفترون } أى كونهم مفترين، أو ما كانوا يفترونه من الآلهة ولو حضرت لذهاب نفعها، وجعلت نفس المفترى مبالغة فإن المفترى النفع، وهذا داخل فى النظر، عطف على كذبوا كأنه قيل: انظر كيف ضل عنهم إلخ. ويجوز عطفه على نقول، أو نحشر لأن معناه الاستقبال، وإنما أتى بصيغة الماضى للتحقق فلا يدخل فى النظر.
[6.25]
{ ومنهم من يستمع إليك } حين تقرأ، استمع إليه أمية ابن خلف وأخوه أبى، والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة لعنهم الله، ومنهم أبو سفيان بن حرب، إلا أنه أسلم حين الفتح. اجتمعوا وقالوا للنضر، وكان أعقلهم وأقربهم للإسلام، ومات كافرا: يا أبا قتيلة، ما يقول محمد؟ فقال: ما أدرى ما يقول، غير أنى أراه يحرك لسانه ويذكر أساطير الأولين، مثل ما كنت أذكر لكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الإخبار عنها، فقال أبو سفيان: أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل : كلا، لا نقر بشيء من هذا، للموت أحب إلينا من هذا، روعى لفظ من فأفرد الضمير لأن المستمعين المرادين هنا قليل، كما أفرد فى
ومنهم من ينظر إليك
[يونس: 43] لقلة الناظرين إلى المعجزات، وروعى معناها فجمع فى قوله
ومنهم من يستمعون
[يونس: 42] لأن المراد الكفار كلهم { وجعلنا } صيرنا أو ألقينا { على قلوبهم أكنة } جمع كنان وهو ما يغطى الشئ { أن يفقهوه } متعلق بأكنة لأن المعنى، وجعلنا على قلوبهم مانعا عن أن يفقهوه، أى يفهموه، والهاء للقرآن المعلوم من قوله ليستمع { وفى آذانهم وقرا } معنى مانعا عن سماع القبول والتدبر تشبيها بثقل السمع حتى كأنهم لم يسمعوا، والأكنة والوقر عبارة عن الخذلان وهو ترك التوفيق، أو عن أن يحدث فى نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصى واستقباح الإيمان والطاعات لإهمالهم عقولهم عن النظر، وذلك عقوبة لهم على اختيارهم الكفر وإهمال النظر، لكن هذا الاختيار مخلوق لله عز وجل، وليس ذلك الإحداث وخلق الاختيار إجبارا ولو كانا يتخيل أنهما إجبار لعجز عقولنا عن فهم ذلك، أو نقول
Unknown page