1487

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[فاطر: 22] دعهم حتى أجزهم يوم النشور يعلمون في ذلك اليوم { إن الله بكل شيء عليم } [المجادلة: 7] ويستحيون من أعمالهم من اطلاعنا على أحوالهم حتى يعرفوا في عرف خجالتهم، ولا ينفعهم الخجالة بعد كشف الحجاب، وانتزاع الآلات، والأدوات وسد باب التوبة، والإنابة إلى رب الأرباب { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى } [المجادلة: 8] النجوى يعني: ألم تر إلى القوة السرية الجاحدة، والقوة النفسية المنافقة الذين يتناجون، ويستهزئون بالقوى المؤمنة ويتغامزون بأعينهم، فأمرناهم بترك النجوى بما تركوا { ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم } [المجادلة: 8] أي: بالكفر الوارد { والعدوان } [المجادلة: 8] أي: معاداة القوى المؤمنة { ومعصيت الرسول } [المجادلة: 8] أي: معصية أمر اللطيفة الخفية { وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله } [المجادلة: 8] يعني: القوى السرية الجاحدة والنفسية المنافقة يسلمون عليك من حيث باطنهم وإضمارهم إن رعاهم لك نصرك { ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول } [المجادلة: 8] يعني: يمنحونك بهذا الدعاء عليك لو كنت مرسلا من عند ربك للحقهم العذاب، ولا يعلمون أن الله يمهلهم؛ ليزدادوا في جميع حطب الخواطر الردية وإشعال نيران الحسد والحقد والبغض والكبر؛ ليعذبهم عذابا شديدا { حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير } [المجادلة: 8] يعني: حسبهم جهنم قالبهم.

[58.9-11]

{ يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول } [المجادلة: 9] يعني: أيتها القوة المؤمنة إذا تناجيتم لا تتناجوا بالشك في الواردات ومعاداة بعضكم بعضا ومعصية أمر اللطيفة الخفية وحظ السالك من هذه الآية ألا يتناجى في مجلس شيخه، لا في الظاهر ولا في الباطن بالشك في المعرفة التي ترد على الشيخ أهي مثل ما ترد علينا من سبيل الفكر والنتائج العقلية؟ ولا في معاداة الأصحاب حسدا عليهم، وعلى أحوالهم، وعلى قلوبهم ومكانتهم عند الشيخ، ولا في العصيان ما يأمره الشيخ به وحظ القوى المؤمنة ألا تأذن للنفس أن يناجي الشيطان في الخلوة، ولا وارد النفس أن يدخل عليها الشيطان، ويلقي في روعها من الشك في الذات والصفات، وفي أنها صارت واصلا غير محتاجة إلى أمر اللطيفة في الترقي بنفي الخواطر بالذكر والقوى الخفي، ولاشتغل السالك في خلوته بتميز الخواطر بل يشتغل بنفي جميع الخواطر شرا كان أو خيرا { وتناجوا بالبر والتقوى } [المجادلة: 9] يعني: يجوز للقوى المؤمنة أن تناجي القوة القلبية والسرية والروحية والخفية بالبر، وهو ترك محبة الدنيا والتقوى، وهو الاجتناب عن الهوى { واتقوا الله الذي إليه تحشرون } [المجادلة: 9] يعني: اتقوا من الذي يحشر إليه أعمالكم الظاهرة والباطنة ولا تضمروا خلاف ما تظهرونه { إنما النجوى من الشيطان } [المجادلة: 10] يعني: من تزيين الشيطان في قلوبكم { ليحزن الذين آمنوا } [المجادلة: 10] يعني: ليحزن القوى المؤمنة { وليس بضآرهم شيئا } [المجادلة: 10] يعني: لا يضر القوى المؤمنة بنجواكم { إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [المجادلة: 10] لأن القوى المؤمنة آمنوا بأن الضار والنافع هو الله توكلوا عليه، وتيقنوا بأن لا مانع ولا معطي إلا هو، لا يلتفتون إلى نجوى الشياطين، والنفس المنافقة، والقوى السرية الجاحدة { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا } [المجادلة: 11] يعني: أيتها القوة المؤمنة؛ إذ قيل لكم بالخاطر الإلهامي: أن أفسحوا في خلوتكم على قواكم بترك المجاهدة الشاقة فافسحوا، يفسح الله لكم بالمشاهدات والمكاشفات الوهبية، وإذا قيل لكم: انهضوا من مقامكم بدخولكم على أحوالكم للترقي من مقام، فانهضوا ولا تعسروا بما وجدتم في ذلك المقام؛ لأن في ذلك المقام لا في مقام أعلى منه تجدون معارف أفضل مما وجدتم في مقامكم هذا { يرفع الله الذين آمنوا منكم } [المجادلة: 11] يعني: يرفع الله ذكر القوة المؤمنة القائمة بأمر اللطيفة الخفية عن مقام السر، ودخولها في حظ الأحوال التي تتعلق بالروح الخفي { والذين أوتوا العلم درجات } [المجادلة: 11] يعني: لمن وصل إلى عالم الحق وشرف العلم اللدني درجات غير متناهية { والله بما تعملون خبير } [المجادلة: 11] من القيام عن حظوظكم وترك شهواتكم، واختياركم أمر اللطيفة الخفية، وحظ هذا السالك من هذه الآية أن يترك جميع معارفه بأمر مسلكه، وينفي الكرامات العيانية والبيانية باشتغاله بذكر حقه، ولا يطلب من الحق شيئا غيره.

[58.12-14]

{ يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } [المجادلة: 12] يعني: أيتها القوى المؤمنة إذا أردتم أن تذكروا الذكر الخفي وتناجوا اللطيفة الخفية، فقدموا الذكر القلبي والسري والروحي والخفي تصدقا عن الأيتام والمساكين والفقراء { ذلك } [المجادلة: 12] يعني: هذه الأذكار التي تتصدق بها عن القوى القلبية والسرية والروحية والخفية { خير لكم وأطهر } [المجادلة: 12] لقلوبكم ولمجاري ذكركم ليذكروا الذكر الخفي وتناجوا اللطيفة الخفية بطهارة تامة قلبية ولسانية: { فإن لم تجدوا } [المجادلة: 12] الفرصة والاستطاعة لنزول سلطان الذكر الخفي ودنو اللطيفة الخفية { فإن الله غفور رحيم } [المجادلة: 12] يعني: يغفر لكم ترك التصدق بالذكر؛ لضيق الوقت، ويرحم على عجزكم { ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات } [المجادلة: 13] يعني: خفتم من الفقر بالتصدق على القوى القلبية والسرية والروحية والخفية؛ لترككم الاكتساب بالأعمال الظاهرة { فإذ لم تفعلوا } [المجادلة: 13] ما أمرتم به لخوفكم على ترك أعمالكم الظاهرة، فأنتم معفوون؛ لأنه تعالى { وتاب الله عليكم } [المجادلة: 13]؛ لقلة عملكم بالتصدق، وبأن الاشتغال بالذكر القلبي والسري والروحي والخفي أفضل من اشتغالكم بالأعمال الظاهرة { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله } [المجادلة: 13] يعني: اشتغلوا بالطاعات الظاهرة وأطيعوا أمر الله الحق واللطيفة في مراعاة أحوالكم وأعمالكم في الظاهر والباطن إن لم تكونوا من أولي العلم اللدني ومن أصحاب الذكر القلبي والسري والروحي والخفي، وهذه آية مبشرة للضعفة والعجزة من القوى المؤمنة النفسية إذا آمنت باللطيفة، وما قدرت على التجاوز عن مقاماتهم، وأذكارهم القالبية والنفسية إن الله يرحمهم، ويتوب عليهم، ويدخلهم في زمرتهم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم:

" المرء مع من أحب "

بشرطين: لا تكون منكرا للواصلين أهل القوة والعزيمة لقصورهم عن مرتبتهم حسدا وجهلا؛ بل يتواضعون لهم ويتقربون إليهم ويذرون همهم لئلا يحرمهم الله عما رزقهم، ولا يحرم إن شاء الله الصادقين من المستضعفين { والله خبير بما تعملون } [المجادلة: 13] يعني: مطلع على الاستعدادات المودعة فيكم، وعلى قواكم المعطية لكم مما بها تطيقون العمل { ألم تر إلى الذين تولوا قوما } [المجادلة: 14] يعني: تولت القوى النفسية المنافقة عن اللطيفة الخفية، وعصوا أمرها بأن اتخذت القوى السرية الجاحدة أولياء { غضب الله عليهم } [المجادلة: 14] يعني: اتفاقهم وإظهارهم خلاف ما في ضمائرهم { ما هم منكم } [المجادلة: 14] لأنهم تولوا عن اللطيفة وأتوا أمره في الظاهر والباطن { ولا منهم } [المجادلة: 14] يعني: لا من القوى الكافرة القالبية أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ لزيادة شعور حصل لهم من نفاقهم في مقام التلوين { ويحلفون على الكذب وهم يعلمون } [المجادلة: 14] أنهم يكذبون في حلفهم.

[58.15-19]

{ أعد الله لهم عذابا شديدا } [المجادلة: 15] لشتمهم اللطيفة الخفية بأنها جاءت، وشوشت معارفنا، وسدت علينا باب مشاهدة هذه الأنوار الملوثة { إنهم سآء ما كانوا يعملون } [المجادلة: 15] يعني: الشتم أولا ثم أطلع الله اللطيفة الخفية على ضمائرهم وأخبرتهم حلفهم بالكذب وتورية الحال على اللطيفة، وجهلهم بالوارد المخبر للطيفة الخفية { اتخذوا أيمانهم جنة } [المجادلة: 16] يعني: إيمانهم الكاذب شرا لأنفسهم لئلا ينقطع اللطيفة الخفية حقوقهم من الذكر السري { فصدوا عن سبيل الله } [المجادلة: 16] بالإعراض عن أمر اللطيفة الخفية والإقبال على الهوى { فلهم عذاب مهين } [المجادلة: 16] وقت كشف الغطاء أجلا وهوائهم على قلوب المشايخ عاجلا نعوذ بالله { لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } [المجادلة: 17] يعني: لن تغني عنهم يوم كشف الغطاء عن قهر الله استعداداتهم العارية ولا نتائج أفكارهم الردية { أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [المجادلة: 17] لأنهم ما كسبوا في دار الكسب بالاستعدادات العارية الآثار الحسد والحقد والبغض والغضب والكبر واللطيفة الباقية المكدرة القالبية.

{ يوم يبعثهم الله جميعا } [المجادلة: 18] بعد كشف الغطاء لرسوخ نقش يمين الكذب { فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء } [المجادلة: 18] يعني: يحلفون لله وقت كشف الغطاء، كما يحلفون للمؤمنين بظنهم أنهم نجوا كما كانوا نجوا منكم في الدنيا، وتعطى لهم الحقوق كما يعطيهم اللطيفة الخفية قبل كشف الغطاء { ألا إنهم هم الكاذبون } [المجادلة: 18] رسخ الكذب والاعوجاج في صور لطيفتهم الباقية الخالدة المكدرة المظلمة المعوجة { استحوذ عليهم الشيطان } [المجادلة: 19] يعني: غلب واستولى لاتباع محاربه في وجود لطيفتهم المدركة الباقية { فأنساهم ذكر الله } [المجادلة: 19] لغلبة ذكر الدنيا عليهم وكثر محبة متاعها في عروقهم مثل: سريان الماء في عروق الأشجار { أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون } [المجادلة: 19] اعتبروا أيها السالكون بهذه الآية، ولا تفضلوا عن ذكر الله، ولو لم يقدروا على السلوك كما هو حقه، لئلا تكونوا من حزب الشيطان؛ لأن حزب الشيطان هم الغافلون عن ذكر الرحمن ولهم الخسران ، وأي خسران خسارة رأس مالهم بلا ربح وخسارة كسب العذاب الملكي الباقي برأس مالهم العاري الفاني.

Unknown page