1486

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ فإطعام ستين مسكينا } [المجادلة: 4] يعني: إطعام الخواطر دخلت عليه من السكينة بطعام الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي عشرا عشرا عدد السنين، والمراد من العشر في كل مقام أن الحواس الظاهرة والباطنة ينبغي أن تكون حاضرة وقت الذكر، فإن كانت [متغافلة] لا يحاسب به، ولا يقبل منه ولا يخرج من عهده الكفارة { ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير } [المجادلة: 3] يعني: هذا الحكم أوجب عليكم ليكون لكم موعظة وعبرة وتذكرة؛ لئلا ترجعوا إلى قول الزور والمنكر الذي يلوث مجاري الذكر ويظهر فيه الضعف حتى يترك الذكر اللسان، وهذا الضعف من شؤم ما يجري على لسان السالك من الفحش، ومما لا يعنيه في دينه ودنياه { فمن لم يجد } [المجادلة: 4] الرقبة والطعام لفاقته { فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا } [المجادلة: 4] وهو السكوت عن غير الذكر القالبي والنفسي والقلبي والسري والروحي والخفي في شهرين الجسماني والروحاني من غير فترة ليظهر بذلك مجاري الذكر الكريم { فمن لم يستطع } [المجادلة: 4] الصوم والإطعام لمساكين خواطر السكينة بأذكار اللطائف الستة مع حضور الحواس العشرة الظاهرة والباطنة وتحرير الرقبة { فإطعام ستين مسكينا } [المجادلة: 4] من مساكين حرم [الصدر] وهم أهل الصفة من نزاع القبائل اجتمعوا للذكر من قبائل قوى العناصر الأربعة والصورة والمادة الجامعة في مسجد [قبالة] الدماغ، فيجب على السالك أن يطعمهم من طعام الذكر اللساني حتى يشبعوا { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله } [المجادلة: 4] يعني: ذلك الحكم حكمنا به ليصدقوا أمر الحق، واللطيفة الخفية { وتلك حدود الله } [المجادلة: 4] يعني: تحرير الرقبة وإطعام المساكين والقوم ولا تحسب أيها السالك أن تكرار لفظ إطعام المساكين في عالم الأنفس بلا معنى؛ لأن الله لا يكرر لفظا إلا وله في تكراره حكمة خاصة، وأشرنا إلى بعض تلك الحكمة من قبل فاجتهد أن تفهمها { وللكافرين عذاب أليم } [المجادلة: 4] يعني: من يكفر بحدودنا ولم يصدق نبينا، ولم يؤمن بواردنا من القوى القالبية والنفسية المعاندة الكافرة يعذب بها عذابا أليما وقت كشف الغطاء بأن يطلع على حكمتنا المودعة في تلك الأحكام المنتجة للمؤتمر بها تعم المعارف وتجعلها سبب إنزاع الآلات والأدوات عنها بالائتمار بها عذاب خسرة الفوت، وهو أشد العذاب { إن الذين يحآدون الله ورسوله } [المجادلة: 5] يعني: الكافرة والمشركة القالبية والنفسية يحادون الله واللطيفة المرسلة الخفية، ويخالفون أمر الوارد ويتعدون حدود الله { كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } [المجادلة: 5] يعني: أذلوا وأهلكوا وكبوا على وجوههم لاستكبارهم وإبائهم الحق، كما أذل وأهلك من القوى المستكبرة على اللطائف المرسلة { وقد أنزلنآ آيات بينات } [المجادلة: 5] أنفسية على السالك، فإذا لم يؤمن بها، ويكفر بنعمة الآيات النعمة الأنفسية

وله عذاب مهين

[النساء: 14].

كما يقول تعالى: { وللكافرين عذاب مهين } [المجادلة: 5] والعذاب المهين: هو أن يكون السالك في أعين أهل الحق مهينا ذليلا [كثيف] على قلوبهم ثقيلا وللقوى الكافرة أن تكون مدركة بعد اطلاعها على إهانتها على تضييع أوقات كسبها لعزة الدائمة لنفسها { يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه } [المجادلة: 6] يوم يكشف الغطاء ويبعثهم من قبور القوالب المظلمة؛ فيجزيهم الله بأعمالهم التي أحصاها وحفظها حين نسيها عاملوها { والله على كل شيء شهيد } [المجادلة: 6] يعني: عليم مطلع على جميع ما يصدر منهم حاضر معهم، ولكنهم لكثافة حجبهم وظلام وجودهم كانوا غافلين عنه، جاهلين بحضوره وسر معانيه، كافرين بأحكامه.

[58.7-8]

{ ألم تر أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض } [المجادلة: 7] يعني: يعلم ما في قوى الروحانية والجسمانية والاستعدادات العلوية والسفلية التي هي ودائعه، وهو بيده خمرها في طينة، ونفخ فيها من روحه { ما يكون من نجوى ثلاثة } [المجادلة: 7] أي: نجوى قوة معدنية ونباتية وحيوانية وسفلية أرضية، ومن نجوى قوة جنية وملكية وعقلية علوية سماوية { إلا هو رابعهم } [المجادلة: 7] يعني: بالنقطة الحكمية المتفننة يتم أمر نجوى النقطات الثلاث العلمية والإرادية والقدرية { ولا خمسة إلا هو سادسهم } [المجادلة: 7] يعني: ولا نجوى حواسهم الخمسة إلا هو سادسهم بالإظهار، وهذا سر عظيم أشير إليه إن كنت حديد السمع شهيد القلب تفطن له إن شاء الله تعالى.

اعلم أن الله خلق الحواس الخمسة؛ لأن تكون آلات الإدراك ونفس الإدراك يتعلق به فكيف يمكن المستعملة حركة من غير شعور المستعمل لها بها، والمبالغة في الكشف في هذا المقام يقرع باب مطلع القرآن فسددناه { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } [المجادلة: 7] هذه إشارة إلى: نظرة وجودية إلى الأشياء إن كانت الوسائط أكثر والروابط أدنى من الثلاثة والخمسة هو معهم أينما كانوا، وسر هذا لا يعرف إلا بعد معرفة الذات الواحد، ثم معرفة الواحدة في الكثرة مقدسة عن الحلول والاتحاد والأثقال من حيث الصورة والانفعال من حيث الحقيقة منزهة عن أن يكون لها مثل وشريك بل أقول: ولا أخاف من جحود الأوداء وإنكار الأخلاء، قول الحق هو: الحق وما تدعون من دونه هو: الباطل، والباطل معدوم، والمعدوم ليس شيء، وحق ما قال جنيد البغدادي - قدس الله سره - ليس في الوجود إلا الله، وهو الوجود المحض تعالى الله عما يصفه الظالمون علوا كبيرا { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } [المجادلة: 7] يعني: يوم يكشف الغطاء عنهم الغطاء القالبي يجرهم، ولكنهم موتى في قبور قوالبهم لا يسمعون، كما يقول اللطيفة الخفية: و

إنك لا تسمع الموتى

[النمل: 80]

ومآ أنت بمسمع من في القبور

Unknown page