Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43] ولا ترجعون إلى العقول المشوبة بآفة الوهم والخيال، فإن فيها للنفس والشيطان مدخلا بإلقاء الشبهات، وأدنى الشبهة في التوحيد كفر، وقد زلت أقدام جميع أهل الأهواء والبدع والفلاسفة عن الصراط المستقيم والدين القويم بهذه المذلة، وبقوله: { ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب } [الشورى: 10] يشير إلى أنه إذا اشتغلت قلوبكم بحديث نفوسكم لا تدرون أبالسعادة جرى حكمكم، أم بالشقاوة مضى أسمكم؟ فكلوا الأمر إلى الله واشتغلوا في الوقت بأمر الله دون التفكير فيما ليس لعقولكم سبيل إلى معرفته وعلمه من عواقبكم.
{ فاطر السموت } [الشورى: 11] سماوات القلوب عن معالم الغيوب، { والأرض } [الشورى: 11] أرض النفوس عن عوالم الغيوب، { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } [الشورى: 11] أي: خلق حواء النفس من ضلع آدم الروح لتسكن إليها، { ومن الأنعام أزواجا } [الشورى: 11]؛ أي: خمر في طينتكم صفات الأنعام بأضعاف ما فيها، { يذرؤكم فيه } [الشورى: 11] يخلقكم في وصف الأنعام لاستعداد حمل الأمانة التي ما حملها الملائكة؛ لكونهم أرواحا مفردة، ولا الحيوانات؛ لأنها عرية في الأرواح الروحانية، وحملها الإنسان؛ لكونه مركبا من الروح الملكي والجسد الحيواني، ثم قال في هذا المعرض: { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]؛ يعني: شيئا من هذه الأشياء التي ركب منها الإنسان من جميع الموجودات، فإنه نسخة العالم بما فيه من العناصر الأربعة: النبات والحيوان، والأجرام، والنفوس، والأرواح، ثم قال: { وهو السميع البصير } [الشورى: 11]؛ أي: مع أنه تعالى سميع بصير والحيوان أيضا سميع بصير ولكن لا شبه له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أحكامه، على أن قوما وقعوا في تشبيه ذاته بذات المخلوقين فوصفوه بالحد والنهاية والكون في المكان، وأقبح قولا منهم من وصفه بالجوارح والآلات، وقوم وصفوه بما هو تشبيه في الصفات فظنوا أن بصره في حدقة، وسمعه في عضو، وقدرته في يد إلى غير ذلك، وقوم قاسوا حكمه على حكم عباده فقالوا: ما يكون من الخلق حسنا فمنه حسن فؤلاء كلهم أصحاب التشبيه، والحق تعالى مستحق التنزيه دون التشبيه، محقق بالتحصيل دون التعطيل والتمثيل، مستحق التوحيد دون التحديد، موصوف بصفات الكمال، مسلوب عن العيوب والنقصان، { له مقاليد السموت والأرض } [الشورى: 12]؛ أي: مفاتيح سماوات القلوب وفيها خزائن لطفه ورحمته، وأرض النفوس وفيها خزائن قهره وعزته، فكل قلب مخزن لنوع من ألطافه فبعضها مخزن المعرفة، وبعضها مخزن المحبة، وبعضها مخزن الشوق، وبعضها مخزن الإرادة، وغير ذلك من الأحوال كالتوحيد والتفريد والهيبة والأنس والرضا وغير ذلك، وكل نفس مخزن لنوع من أوصاف قهره، فبعضها مخزن النكرة، وبعضها مخزن الجحود، وبعضها مخزن الإنكار، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة كالشرك والنفاق، والحرص والكبر، والبخل والشره، والغضب والشهوة، وغير ذلك، وفائدة التعريف أن المقاليد له قطع أفكار العباد من الخلق إليه في جلب ما يريدونه ودفع ما يكرهونه، فإنه { يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء عليم } [الشورى: 12] يوسع ويضيق رزق النفوس ورزق القلوب، والخلق بمعزل عن هذا الوصف.
[42.13-15]
ثم أخبر عن تبيين الدين بقوله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين } [الشورى: 13] يشير إلى أصول الدين أنها لم تختلف في جميع الشرائع، فأما الفروع فمختلفة فالآية تدل على أن مسائل أحكامها في جميع الشرائع واحدة، ثم بين بقوله: { أن أقيموا الدين } [الشورى: 13]؛ أي: في الأصول؛ وهي التوجه إلى الله بالكلية في صدق الطلب بتزكية النفس عن الصفات الذميمة، وتصفية القلب عن تعلقات الكونين، وتحلية الروح بالأخلاق الربانية، ومراقبة السر بكشف الحقائق وشواهد الحق، { ولا تتفرقوا فيه } [الشورى: 13]؛ أي: في الدين تفرق أهل الأهواء بالبدع بحسبان المعرفة والبراهين المعقولة، { كبر على المشركين } [الشورى: 13] مشرك أهل الأهواء والسمعة والرياء { ما تدعوهم إليه } [الشورى: 13] من التوحيد والوحدة.
وبقوله: { الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب } [الشورى: 13] يشير إلى مقامي المجذوب والسالك، فإن المجذوب من الخواص اجتباه في الأزل وسلكه في سلك من يحبهم واصطنعه لنفسه تعالى، وجذبه به عن الدارين بجذبة توازي عمل الثقلين
في مقعد صدق عند مليك مقتدر
[القمر: 55]، والسالك من العوام الذين سلكهم في سلك من يحبونه موفقين للهداية على قدمي الجهد والإنابة، إلى سبيل الرشاد في طريق العناد، { وما تفرقوا } [الشورى: 14]؛ يعني: أهل الأهواء والبدع { إلا من بعد ما جآءهم العلم } [الشورى: 14] من الكتاب والسنة { بغيا بينهم } [الشورى: 14]؛ أي: حسد بعضهم على بعض طلبا للرئاسة والقدرة والشهرة، { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى } [الشورى: 14] بافتراقهم ثلاثة وسبعين فرقة افتراق كل فرقة في زمان معين، { لقضي بينهم } [الشورى: 14] بالهداية.
وبقوله : { وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم } [الشورى: 14] يشير إلى الذين أورثهم الكتاب، الذين اصطفيناهم من العباد بعد أهل الأهواء والبدع، { لفي شك منه } [الشورى: 14] من افتراق المبتدعين { مريب } [الشورى: 14] لباطليتهم، { فلذلك } [الشورى: 15]؛ أي: لبطلان مذاهب الأهواء والنوع { فادع } [الشورى: 15] إلى صراط مستقيم السنة { واستقم كمآ أمرت } [الشورى: 15] بالكتاب في الدعاء والطاعة، أمر الكل بالاستقامة وأقره الداعي بذكر الاستقامة واختصمه به لاستقامة تبعية، ثم قال: { ولا تتبع أهوآءهم وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب } [الشورى: 15]؛ ليعلم أن إتباع الأهواء ضلالة وإن كان مقرونا بشبه المعقول، والإيمان بما أنزل الله في التوحيد والمعرفة، وإثبات الصفات ونفي التشبيه والتعطيل هداية، { وأمرت لأعدل بينكم } [الشورى: 15]؛ أي: لأستوي بين أهل الأهواء وبين أهل السنة بترك البدعة ولزوم الكتاب والسنة؛ ليندفع الافتراق ويكون الاجتماع، { الله ربنا وربكم } [الشورى: 15] لا الهوى { لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } [الشورى: 15] مقبولا للسنة لا علينا وعليكم، مردودا للبدعة، { لا حجة بيننا وبينكم } [الشورى: 15]؛ أي: خصومة بالأهواء والعصبية، { الله يجمع بيننا } [الشورى: 15] في المرافقة بالسير إلى الله، { وإليه المصير } [الشورى: 15] بانتهاء السير إلى الله كقوله:
وأن إلى ربك المنتهى
Unknown page