Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
وقوله: { واصبر على مآ أصابك } [لقمان: 17] يشير إلى أن البلاء والمحنة فلا بد للمريد الصادق أن يصبر على ما أصابه في أثناء الطلب مما ابتلاه الله به من الخوف من الأعداء في الظاهر أو من الأعداء في الباطن والجوع من الجوع الظاهر عند قلة الغذاء للنفس أو مفارقة الأولاد والأهالي والإخوان والأخدان والثمرات يعني: ثمرات المجاهدات.
وبشر الصابرين
[البقرة: 155] على هذه الأحوال بأن
عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون
[البقرة: 157] إلى الحضرة { إن ذلك } [لقمان: 17] المقدمات { من عزم الأمور } [لقمان: 17] الموصلة للعبد إلى الرب { ولا تصعر خدك للناس } [لقمان: 18] تكبرا وتجبرا معجبا بما فتح الله عليك فتكون بهذا مفسدا في لحظة ما أصلحته في مدة.
{ ولا تمش في الأرض مرحا } [لقمان: 18] كمشية الجبارين وأيضا ولا تمش مرحا في طلب الحق تعالى بالتوالي والسكون كمشية المختال الفخور { إن الله لا يحب كل مختال فخور } [لقمان: 18] في السير إليه فخور بما مال من الحق على الناس بطريق العجب والنظر إليهم بالحقارة { واقصد في مشيك } [لقمان: 19] بين مشي المتكاسل الجبان المتعلل وبين مشي المتسارع المستعجل المقدام { واغضض من صوتك } [لقمان: 19] في إظهار الدعاوى وكتمان المعاني كن فانيا عن شواهدك مصطلما عن قولك مأخوذا عن حولك وقوتك بما استولى عليك من كشوفات سرك وانظر من الذي يسمع صوتك حتى تستفيق من خمار غفلتك بل من سكر إعجابك وحسبانك، { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير } [لقمان: 19] فيه إشارة إلى أن الذي يتكلم في لسان المعرفة من غير إذن من الحق وقالوا: هو صوفي يتكلم قبل أوانه.
ثم أخبر عن كمال عنايته في أهل ولايته بقوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموت وما في الأرض } [لقمان: 20] يشير إلى ما في سماوات القلوب من الصدق والإخلاص والتوكل واليقين والصبر والشكر وسائر المقامات القلبية والروحانية والمواهب الربانية وتسخيرها بأن يستر العورة عليها بالسير والسلوك المتداركة بالجذبة والانتفاع بمنافعها والاجتناب عن مضارها وإلى ما في أرض النفوس من الأوصاف الذميمة مثل الكبر والحسد والحقد والبخل والحرص والشره والشهوة وغيرها تبديلها بالأخلاق الحميدة والعبور عليها والتمتع بخواصها محترزا عن عواقبها.
ثم من على العباد بما أنعم عليهم في تسخيرها في الروح لهم وقال: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } [لقمان: 20] فالنعمة الظاهرة هي تسخير ما في السماوات وما في الأرض الظاهرة من الكواكب السيارة والملائكة المقربين فتسخير الكواكب تيسيرها في البروج على الأفلاك التي دبرها لكل واحدة منها فلكا، وقدر لهن القربات والاتصالات وجعلهن مدبرات العالم السفلي متصرفات بالخواص والطبائع في العناصر الأربعة ولقراباتهن واتصالاتهن مقتضيات في إظهار الأمور المقدرة بتقدير العزيز العليم في عالم السفلي من الزماني مثل الشتاء والصيف والخريف والربيع.
ومن المكاني مثل المعدن والنبات والحيوان والإنسان فظهور الأحوال المختلفة بحسب سير الكواكب على الدوام لمصالح الإنسان ومنافعهم منها، وتسخير الملائكة بأن الله تعالى من كمال حكمته وقدرته جعل كل صنف من الملائكة موكلين على نوع من المدبرات وأعوانا لها كالملائكة الموكلين على الشمس والقمر والنجوم وأفلاكها والموكلين على السحاب والمطر، وقد جاء في الخبر أن على كل قطرة من المطر موكلا من الملائكة لينزلها حيث أمر، والموكلين على الرياح والبحور والمخلوقات، والملائكة الكتاب للناس الموكلين عليهم، ومنهم المعقبات من بين أيديهم ومن خلفهم يحفظونهم من أمر الله حتى جعل على الأرحام ملائكة، فإذا وقعت نطفة الرجل في الرحم يأخذ الملك بيده اليمنى وإذا وقعت نطفة المرأة يأخذها الملك بيده اليسرى، فإذا أمر مشجها بمشج النطفتين، وذلك قوله تعالى:
إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه
Unknown page