391

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[9.114]

{ وما كان استغفار إبراهيم لأبيه } عطف لاستدارك ما يتوهم من ان ابراهيم (ع) كان نبيا واستغفر لابيه المشرك { إلا عن موعدة وعدهآ إياه } يعنى كان استغفاره وفاء بوعده وهو خصلة حسنة وكان قبل ان تبين له انه اصحاب الجحيم بقرينة قوله { فلما تبين له أنه عدو لله } اى فطرة بمعنى انقطاع جهة محبته لله وهى اللطيفة الانسانية { تبرأ منه } مع انه كان اقرب قراباته وفسر قوله تعالى الا عن موعدة وعدها اياه بوعد آزر لابنه ان يسلم وهو يؤيد ما ذكرنا لان وعد الاسلام لا يكون الا عن فطرة الانسان { إن إبراهيم لأواه حليم } الاواه الكثير التأوه واكثر ما يكون التأوه اذا كان حزن على فراق محبوب وهو يستلزم كثرة الدعاء والتضرع فى الخلوات وحال العبادات فما ورد من تفسيره بالدعاء او بالمتضرع تفسير باللازم وهو تعليل لاستغفاره.

[9.115]

{ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } تكوينا بايصالهم الى مقام الانسانية التى بها يتميز الخيرات والشرور الانسانية او تكليفا بايصالها الى من يبايعهم بيعة عامة او بيعة خاصة وتبين لهم خيراتهم وشرورهم التكليفية { حتى يبين لهم } تكوينا او تكليفا { ما يتقون } ما ينبغى ان يتقوه من شرورهم الانسانية لاتمام الحجة { إن الله بكل شيء عليم } جواب سؤال كأنه قيل ايعلم دقائق ما يضلون ويهتدون به ما يتقون.

[9.116]

{ إن الله له ملك السماوات والأرض } ابتداء كلام غير مرتبط بالسابق او تعليل لعلمه بكل شيء، او تعليل لنسبة الاضلال والهداية والتبيين الى نفسه، او جواب لسؤال عن حالهم مع الله ونسبته تعالى اليهم { يحيي } بالحياة الحيوانية او بالحياة الانسانية { ويميت } هكذا { وما لكم من دون الله من ولي } يتولى اموركم بجلب ما هو خيركم اليكم { ولا نصير } يدفع عنكم شروركم وقد مضى مرارا ان النبى (ص) بولايته هو الولى الذى يتولى امور التابع من اصلاح حاله فى نفسه وبنبوته ورسالته هو النصير الذي ينصر التابع بدفع الشرور عنه، وهذا النفى لدفع توهم يرد على قلب المريد الناقص حيث لا يرى من شيخه المرشد الا بشريته وكذا من شيخه الدليل فيظن انهما بحسب البشرية او بانفسهما يتوليان مستقلين او بالاشتراك مع الله تعليم المريد واصلاحه، فرفع هذا الوهم بحصر ذلك فى نفسه بمعنى انهما فى تولى أمور المريد ليسا الا مظهرين والظاهر المتولى هو الله لا هما وحدهما ولا باشتراكهما مع الله.

[9.117]

{ لقد تاب الله على النبي } وقرئ بالنبى وعلى قراءة على النبى فتوبته تعالى عليه باعتبار توبته على امته اعطاء لحكم الجزء للكل، او لحكم التابع للمتبوع، او التوبة بمعنى مطلق الرجوع لانهم وقعوا فى غزوة تبوك فى الشدة والقحط وشدة الحر وقلة الماء فرجع بالرخاء والراحة وعدم الحاجة الى القتال والصلح على الخراج بدون زحمة القتال { والمهاجرين والأنصار } حيث تخلف بعضهم وكره بعض آخر الخروج الى تلك الغزوة فلحق المتخلفون ورغب الكارهون { الذين اتبعوه } حين خروجه على كراهة او بعد خروجه بلحوقهم له { في ساعة العسرة } فى زمان العسرة فان غزوة تبوك اتفقت فى شدة الحر وزمان القحط مع بعد السفر { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } عن اتباعه واعتقاد رسالته وقيل: هم قوم منهم ان ينصرفوا بعد الخروج بدون اذنه فعصمهم الله، وروى ان عدد العسكر فى تلك الغزوة بلغ خمسة وعشرين الفا سوى العبيد والاتباع، وقيل: بلغ عدد جميعهم اربعين الفا { ثم تاب عليهم } بعصمتهم عن الزيغ { إنه بهم رءوف رحيم } الفرق بين الرأفة والرحمة كالفرق بين الاحوال والسجايا فان الرأفة عبارة عما يظهر من آثار الرحمة من النصح والحمل على الخير .

[9.118]

{ وعلى الثلاثة الذين خلفوا } استعمال الخوالف فى النساء والمخلف فى الرجال للاشارة الى ان التخلف شأنهن فتخلفهن لا تعمل فيه، واما الرجال فان شأنهم التهييج للقتال وتخلفهم كأنه كان بتعمل وقبول من غيرهم، ولما فهم العامة من ظاهره ان رسول الله (ص) خلفهم انكر المعصومون (ع) قراءة خلفوا وقرأوا خالفوا والا فقد سبق استعمال المخلف فى المتخلفين المخالفين عند قوله فرح المخلفون والمعنى فرح الذين حملهم الشيطان على التخلف لا الرسول (ص)، والثلاثة المخلفون كانا كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن امية كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك واستقبلوا رسول الله (ص) بعد مراجعته، فسلموا عليه فلم يرد عليهم الجواب وأمر اصحابه ان لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، فدخلوا المدنية ولا يكلم معهم احد، ودخلوا المسجد فلا يسلم عليهم احد، وجاءت نساؤهم الى رسول الله (ص) وقالت: بلغنا سخطك على ازواجنا؛ انعتزلهم؟ - فقال:

Unknown page