390

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

[الفتح:10] للحصر اعتبارا لمفهوم اضافة اليد الى الله يعنى يد الله لا يدك، كما مضى عند قوله تعالى { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } انه اشارة الى تلك البيعة وانه للحصر فان قبول التوبة من اجزاء تلك البيعة ومقدماته، وقول المفسرين ان الآية وذكر الاشتراء تمثيل لاثابة الله اياهم على بذل الانفس والاموال انما هو بالنظر الى المبايعة المالية لا المبايعة الاسلامية { يقاتلون في سبيل الله } حال لبيان حالهم وما يشترط عليهم حين الاشتراء او مستأنف جواب لسؤال عن حالهم وما اشترط عليهم. اعلم، ان الداخل فى الاسلام بالبيعة العامة النبوية وقبول الدعوة الظاهرة والداخل فى الايمان بالبيعة الخاصة الولوية وقبول الدعوة الباطنة لا ينفك عن المقاتلة مع الاعداء الباطنة وجنود الشيطان، وان كان قد ينفك عن المقاتلة مع الاعداء الظاهرة وايضا لا ينفك عن قتل لشيء من جنود الجهل واتباع الشيطان وعن مقتوليه بحسب مراتب جنود الحيوان ما لم يمت اختيارا او اضطرارا، ولذا اتى بالافعال الثلاثة مضارعات دالات على الاستمرار { فيقتلون ويقتلون } قرئ الاول مبنيا للفاعل والثانى مبنيا للمفعول وبالعكس { وعدا عليه } وعد المقاتلة بحسب الشرط فى البيعة او وعد الجنة بازاء الانفس والاموال وعدا ثابتا عليه { حقا } صفة لوعدا او حال منه او مصدر لمحذوف اى ثبت ذلك الوعد ثبتا { في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى } افعل التفضيل او فعل ماض { بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم } الله بتوسط مظاهره { به } ان كان اوفى افعل تفضيل ومن استفهامية فالفاء جواب شرط محذوف اى اذا لم يكن احدا اوفى بعهده من الله فاستبشروا، وان كان فعلا ماضيا ومن شرطية او موصولة فالفاء جواب الشرط المذكور اذ الموصولة فى مثل هذا المقام متضمنة لمعنى الشرط لكن يقدر حينئذ بعد الفاء القول اى فيقال لهم: استبشروا، والوجه الاول اولى لتناسبه لقوله وعدا عليه حقا { وذلك } البيع الذى بايعتم على ايدى خلفائه او ذلك الوعد { هو الفوز العظيم التائبون } هو على قراءة الرفع مقطوع عن الصفة للمدح او مستأنف مقطوع عما قبله جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: من المؤمنون المستبشرون؟ - فقال: التائبون، وعلى كلا التقديرين فهو خبر مبتدء محذوف، ونسب الى المعصومين (ع) انهم قرؤه بالجر صفة للمؤمنين والمراد التائبون بالتوبة الخاصة على ايدى خلفاء الله التى هى من اجزاء البيعة المذكورة { العابدون } الصائرون عبيدا خارجين من رقية انفسهم داخلين فى رقية مولاهم او فاعلين فعل العبيد يعنى كان فعلهم بامر مولاهم لا بامر أنفسهم { الحامدون } المعتقدون المشاهدون كل كمال وجمال من الله فانه الحمد حقيقة الذاكرون الله بكماله وجماله بألسنتهم طبق اعتقادهم وشهودهم { السائحون } فى اراضى العالم الصغير والعالم الكبير وفى اخبار الامم الماضية وفى شرائع الانبياء ومواعظ الاولياء ونصائحهم وفى الكتب السماوية ولا سيما القرآن المهيمن على الكل وقد اشير فى الاخبار الى كل، وفسر ايضا بالصائمين وقد ورد ان سياحة امتى الصيام وهو من قبيل التفسير بالسبب، فان الصيام وهو منع القوى الحيوانية عن مشتهياتها يضعفها وبتضعيفها يرتفع الحجاب عن المدارك الانسانية وينفتح بصيرة القلب وينطلق رجل العقل فيسيح فى اراضى وجوده ويسرى سياحتها الى اراضى سيرة الانبياء (ع) والاولياء (ع) وكتبهم، او يسرى الى سياحة العالم الكبير بالنظر فى آياته والعبرة من تقليباته بأهله فانه السياحة حقيقة لا المشى فى وجه الارض خاليا من ذلك النظر وتلك العبرة { الراكعون } بالركوع المخصوص الذى هو من اركان الصلاة الصورية او باظهار الخضوع والذل لله ولخلفائه { الساجدون } بسجدة الصلاة او بمطلق السجدة لله او بغاية الخضوع والتذلل { الآمرون بالمعروف } لأهالى عوالمهم او لأهل العالم الكبير بعد استكمال اهالى عوالمهم والفراغ منهم { والناهون عن المنكر } هكذا، والاتيان بالعاطف لتمامية السبعة والعرب فى التعداد اذا تم عدد السبعة يأتى بالواو وتسمى واو الثمانية وسره تمامية العوالم الكلية الآلهية بالسبع، وقد مضى فى اول سورة البقرة تحقيق للامر بالمعروف والنهى عن المنكر عند قوله تعالى: اتأمرون الناس بالبر (الآية) { والحافظون لحدود الله } بعد الفراغ من الامر والنهى بابقاء المأمورين والمنهيين على الايتمار والانتهاء فى العالم الصغير والعالم الكبير والحافظون على حدود احكام الله من العبادات والمعاملات وغاياتها المقصودة منها، مثل ان يحفظ فى الصلاة على الانقياد والخشوع والتشبه بالملائكة والشخوص بين يدى الله والانصراف من التوجه الى عالم الطبع والحيوان الى الله، ومثل ان يحفظ فى النكاح على التوالد وابقاء النسل وازدياد المودة والرحمة والاستيناس، لا ان يكون نكاحه لمحض قضاء الشهوة الحيوانية واللذة النفسانية بل يكون حين اللذة حافظا لتلك الغايات ناظرا اليها، وما رود فى تفسيره بالحفظ على الصلاة بحفظ اوقاتها وركوعها وسجودها او بحفظ احكام الله فهو مشير الى هذا المعنى.

امهات منازل السالكين

اعلم، ان الآية الشريفة جامعة لامهات منازل السالكين الى الله واسفارهم مشيرة الى جميع مقامات السائرين، فان التائبون اشارة الى منازلهم الحيوانية ومقاماتهم الخلقية لان التوبة هى السير من الخلق الى الحق وهو السفر الاول من الاسفار الاربعة وللانسان فى هذا السفر مقامات ومراحل عديدة وليس له الا التعب والكلفة ولا يوازى لذته كلفته، ولذا ترى اكثر السالكين واقفين فى هذا السفر حائرين لا يمكنهم الرجوع ولا الوقوف على مقامهم الحيوانى، لما ايقنوا من ان ذلك المقام من مقامات الجحيم ولما رأوا لانفسهم فيه من العذاب الاليم ولا يمكنهم التجاوز والسير الى ما فوقه لكثرة المتاعب وضعف يقينهم وقلة التذاذهم بالمقامات الانسانية وضعف نفوسهم عن التحمل وقوة قويهم فى طلب مقتضياتها، والعابدون اشارة الى مقاماتهم الحقية الخلقية، لان العبودية هى السير فى المقامات الانسانية وعلى المراحل الروحانية الى الانتهاء الى حضرة الاسماء والصفات، وهو السفر الثانى من الاسفار الاربعة اى السفر من الحق الى الحق، والحامدون السائحون الراكعون الساجدون اشارة الى مقاماتهم الحقية اى السير فى حضرة الاسماء والتمكن فى التحقق بحقائق الصفات الالهية، وهو السفر الثالث اى السفر بالحق فى الحق، { الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله } اشارة اى مقاماتهم الالهية ومراتبهم الربوبية اى السير فى المظاهر الالهية متصفين بصفات الربوبية مبدلين للخلقية بالحقية ناظرين الى المظاهر الى كل فى مرتبته معطين لكل ذى حق حقه، وهو آخر الاسفار الاربعة يعنى السفر بالحق فى الخلق.

وبيان هذه الاسفار ومقاماتها وما يرد فيها وما يشاهد منها من الآيات مما يضيق عنه بيان البشر ولا يسعه هذا المختصر، واجمال القول فيها: ان الانسان فى زمان الصبا الى اوان البلوغ حيوان كالخراطين والديدان او كالبهائم والسباع لا يدرى من الخيرات الا ما اقتضته القوى الحيوانية ولا من الشرور الا ما تستضر به، وبعد بلوغ الاشد وظهور اللطيفة الانسانية وتميز الخيرات والشرور العقلية الانسانية، اما يقف على الحيوانية باقيا فيه شيء من الانسانية، او يهوى عن الحيوانية الى اسفل السافلين مهلكا للطيفة الانسانية، او ينزجر عن الحيوانية ويرغب فى الخيرات الانسانية متدرجا فيه الى ان يطلب من يبين له طريق جلب خيراته ودفع شروره الانسانية، لانه خارج عن ادراك مداركه الحيوانية غير مدرك بمداركه العقلية لضعفها، وذلك التدرج فى الانزجار وان كان توبة وانابة لغة لكنه لا يسمى عند اهل الله توبة ولا انابة، لان التوبة والانابة عندهم اسم للرجوع عن الحيوانية الى الانسانية الآلهية ولخفاء طريقها كثيرا ما يقع الراجع عن الحيوانية الى حيوانية او شيطانية بتدليس الشيطان وظنه انها خيرات انسانية فيقع فيما فر منه، فلما لم يظهر صحة رجوعه عن الحيوانية الى الانساينة لم يطلق عليه اسم التوبة وصحة الرجوع عن الحيوانية الى الانسانية لا تظهر الا بقبوله من الله، وقبوله من الله لا يظهر الا بقبول خلفاءه وهم المظاهر الانسانية والكاملون الفارقون ببصيرتهم بينها وبين الحيوانية، فاذا وصل الى نبى او ولى وتاب هو عليه هى توبة الله عليه واستغفر له فى البيعة العامة النبوية وقبول الدعوة الظاهرة صدق على رجوعه التوبة والانابة بجهتيه وصار تائبا، وبتلك التوبة لا يحصل له الا خيراته القالبية المؤدية الى خيراته الاناسنية لا يلتذ بها بل لا يرى فيها الا التعب والكلفة ولا يسكن حرارة طلبه للخيرات الانسانية ولا يتم توبته، فاذا طلب ووجد وتاب بالتوبة الخاصة فى البيعة الخاصة الولوية وقبول الدعوة الباطنة ودخول الايمان فى القلب وهناك يتم صورة توبته فقد يلتذ بانموذج خيراته الانسانية، لكنه ما لم يخرج من ملكه ولم يلج ملكوت السماوات ولم يشاهد ملكوت شيخه كان تائبا ولم يخلص له اللذات الانسانية وكان بعد فى تعب وكلفة وضيق لا يرضى بحال من احواله ويتقلب فى الاحوال، حتى شياهد ملكوت الشيخ ويسكن الشيخ فى ارض صدره ويتمكن له دينه الذى ارتضاه له وحينئذ يتم سيره من الخلق الى الحق، فان ملكوت الشيخ هى الحق بحقية الحق الاول ويصير حينئذ سالكا الى الله، لانه كان قبل ذلك سالكا الى الطريق ويصير عبدا خارجا من رقية نفسه داخلا فى رقية الله ويصير فعله ايضا فعل العبد حيث تمكن الشيخ فى وجوده وصار بالنسبة الى شيخه كالملائكة بالنسبة الى الحق الاول، لا يعصى الشيخ وهو بأمره يعمل لا بأمر نفسه ويصدق عليه انه عبد وعابد ويصير مسافرا بالسفر الثانى من الحق الى الحق لان المبدأ ملكوت الشيخ وهى الحق، والمنتهى هو الحق المضاف، ومراحل السفر ومقاماتها خارجة عن الحصر والعد، والسالك فى هذا السفر واله غير شاعر كالمجذوب فاذا وصل الى حضرة الاسماء والصفات تمت عبوديته وفنى عن افعاله وصفاته وذاته واتصف بالربوبية اذا تم له هذا السفر وصحا عن فنائه وصدق ما قالوا: الفقر اذا تم هو الله، وانتهاء العبودية ابتداء الربوبية، وفى هذا المقام يظهر بعض الشطحيات من السالكين مثل: انا الحق، وسبحانى ما اعظم شانى، وليس فى جبتى سوى الله، والسالك حينئذ مسافر فى الحق وهو السفر الثالث ولا انتهاء لمقامات هذا السفر، وفى هذا السفر لا يرى فى الوجود الا الله ولا يرى جمالا وكمالا الا الله فينسب تمام الكمال والجمال اليه تعالى من غير شعور بهذه النسبة منه وهو حمده بل يتحقق بالصفات الجمالية والاسماء الحسنى الآلهية وهو حامديته حقيقة، ويصدق حينئذ عليه انه سائح حيث ان السياحة هى السير لمشاهدة غرائب صنع الله وهو فى السفر الاول لا يمكنه مشاهدة صنع الله بل لا يرى الا المصنوع، وفى السفر الثانى اما لا يشعر بصنع ومصنوع بل لا يشعر الا بشيخه او لا يرى الا المصنوع بحسب تقليباته ذات اليمين وذات الشمال، وفى هذا السفر حين يفيق من جذبته يرى ويشاهد لكن لا يرى الا صنع الله وغرائبه لخروجه من التعينات الكونية فلا يرى فى الوجود الا صفاته واسماءه تعالى، وكل ما يشاهد يتذلل ويخضع له وهو الركوع والسجود بحسب تفاوت مراتب خضوعه، فاذا تحقق باسمائه وصفاته وتم سفره هذا عاد الى ما منه رجع لاصلاح العباد وسافر بالحق فى الخلق وامر بامر الله ونهى بنهى الله وحفظ الامر والنهى على المأمورين والمنهيين، وكذا يحفظ غايات اوامره ونواهيه عليهم، والمسافر بهذا السفر اما نبى او رسول او خليفة لهما، ومقامات هذا السفر ايضا غير متناهية بحسب عدم تناهى كلمات الله وبحسب مقاماته يتعدد ويختلف مراتب الانبياء والرسل، وما ورد من تحديد الانبياء بمائة وعشرين الفا او بمائة واربعة وعشرين الفا فهو اما لمحض بيان الكثرة او لتحديد امهات المقامات؛ وما ورد عن المعصومين (ع) من تخصيص الاوصاف بأنفسهم قد علم وجهه حيث لا يوجد تلك الاوصاف بحقائقها الا فيهم لكن اذا صح ايمان المؤمن وصدق فى ايمانه توجد رقائقها وانموذجاتها فيه فليطلب المؤمن من نفسه فاذا لم يجد لم يكن صادقا فى ايمانه { وبشر المؤمنين } عطف على الامر السابق وبينهما اعتراض لبيان حال المؤمنين ووضع المؤمنين موضع ضميرهم للاشعار بعلة الحكم ولتصويرهم بأوصافهم المذكورة حيث ان اللام للعهد الذكرى والمذكور المؤمنون الموصوفون بالاوصاف المذكورة.

[9.113]

{ ما كان للنبي والذين آمنوا } يعنى ما صح { أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين } بلغ غاية الوضوح { لهم أنهم أصحاب الجحيم } اعلم، ان الكافر ما لم ينقطع فطرته التى هى لطيفته الانسانية لا منع فى الاستغفار والدعاء بالخير له حيا وميتا ولا يجوز لعنه على الاطلاق بل يجوز من حيث كفره وشركه، وللاشارة الى هذا المعنى قوله تعالى

إني لعملكم من القالين

[الشعراء: 168] و

إني بريء مما تعملون

[الشعراء: 216]، واذا انقطع فطرته يجوز لعنه على الاطلاق ولا يجوز له الدعاء بالخير ولا يعلم قطع الفطرة الا بشهود مراتب وجوده او بوحى من الله او بسماع من صاحب الكشف او الوحى، وما ورد فى الاخبار وافتى به العلماء (رض) ايضا من ان المرتد الفطرى لا يقبل توبته ناظر الى هذا المعنى ، وما ذكروه من الفرق بين المرتد الملى والفطرى كما فى الاخبار انما هو باعتبار ان التولد على الاسلام والتولد على الكفر ثم الخروج عن الاسلام كاشف عن الارتدادين وقد مضى تحقيق الارتداد فى سورة آل عمران عند قوله ومن يبتغ غير الاسلام دينا، وللاشارة الى ما ذكرنا قال تعالى من بعد ما تبين بالكشف والوحى او بالسماع من صاحب الشكف والوحى لهم: انهم اصحاب الجحيم منقطعوا الفطرة غير مرجوى النجاة يعنى لا قبل هذا التبين.

Unknown page