344

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ واختار موسى قومه } من قومه { سبعين رجلا لميقاتنا } روى عن الرضا (ع) انه سئل: كيف يجوز ان يكون كليم الله موسى (ع) بن عمران لا يعلم ان الله لا يجوز عليه الرؤية حتى يسئله هذا السؤال؟ - فقال: ان كليم الله علم ان الله منزه عن ان يرى بالابصار ولكنه لما كلمه الله وقربه نجيا رجع الى قومه فأخبرهم ان الله كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته وكان القوم سبعمائة الف فاختار منهم سبعين الفا ثم اختار منهم سبعة الآف ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه، فخرج الى طور سيناء فاقامهم فى صفح الجبل وصعد موسى (ع) الى الطور وسأل الله ان يكلمه ويسمعهم كلامه وكلمه الله وسمعوا كلامه من فوق واسفل ويمين وشمال ووراء وامام، لان الله احدثه فى الشجرة ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن بان هذا الذى سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القوم العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عليهم صاعقة فاخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فقال موسى (ع): يا رب ما اقول لبنى اسرائيل اذا رجعت اليهم وقالوا انك ذهبت بهم فقتلهم لانك لم تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله اياك؟! فأحياهم وبعثهم معه، فقالوا: انك لو سألت الله ان يريك تنظر اليه لاجابك فتخبر كيف هو ونعرفه حق معرفته فقال موسى (ع): يا قوم ان الله لا يرى بالابصار ولا كيفية له وانما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله فقال موسى (ع) يا رب انك قد سمعت مقالة بنى اسرائيل وانت اعلم بصلاحهم فاوحى الله اليه: يا موسى (ع) سلنى ما سألوك فلم اؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (ع): رب ارنى انظر اليك قال لن ترانى ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه وهو يهوى فسوف ترانى فلما تجلى ربه للجبل بآية من آياته جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين { فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت } اهلاكنا { أهلكتهم من قبل وإياي } يعنى من قبل وعدى بنى اسرائيل باسماع كلامك واتيانى بهم الى ميقاتك حتى لا يتهمونى بالكذب واهلاك من جئت بهم الى ميقاتك { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ } من الجرأة على طلب الرؤية { إن هي إلا فتنتك } ان العجل وخواره الا فتنتك على ان يكون مقطوعا من سابقه على ما روى ان الله اخبره بضلال قومه بالعجل، فقال: يا رب ان كان السامرى صنعه فمن أخاره؟ - فقال: انا، فقال: ان هى الا فتنتك، او على ان يكون السبعون المختارون من عبدة العجل اختارهم ليمقات التوبة فاخذتهم الرجفة لهيبة الله، او المعنى ان اسماعهم لكلامك حتى طمعوا فى سؤال الرؤية الا فتنتك او ان الرجفة منك الا فتنتك، وتأنيث الضمير على الوجوه السابقه لمراعاة الخبر { تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ولينا } المتصرف فى امورنا { فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } لما كان الحسن الحقيقى هو الولاية فكل ما كان مرتبطا بالولاية من علم وخلق وفعل فهو حسن بحسنها، والسير على طريق الولاية ايضا حسن بحسنها، وتسهيل السير بقوة الولاية ورفع موانع السير وقلة الامتحانات فى الطريق والذكر المأخوذ من الامام والاتصال بملكوت الامام كلها حسن بحسنها، والتاء فى الحسنة للنقل فتفسيرها بالولاية وبالطاعة وبتوفيقها وبتسيهل السير ورفع موانع السير وتقليل الامتحانات ودوام الذكر وتمثل صورة الشيخ كلها صحيح { وفي الآخرة } ايضا حسنة والحسنة فى الآخرة هو شهود الحق تعالى فى مظاهره بمراتبها: ونعم ما قال المولوى قدس سره بالفارسى فى تفسير الحسنة فى الدنيا والآخرة:

راه را برسا جو بستان كن لطيف

مقصد ما باش هم تو اى شريف

{ إنا هدنآ إليك } من هاد يهود اذا رجع { قال } جوابا له: ان لى سخطا ورضى وعذابا ورحمة ولكل اهل، فلى ان اعذب من كان اهلا للعذاب، وارحم من كان اهلا للرحمة { عذابي أصيب به من أشآء } ولما لم يكن المعصية سببا للعذاب على الاطلاق لم يقل من عصانى { ورحمتي } الرحمانية { وسعت كل شيء } لانها صفة الوجود والوجود قد احاط بكل موجود فى الدنيا والآخرة { فسأكتبها } اى الرحمة الرحيمية بطريق الاستخدام { للذين يتقون } المحرمات التى اصلها اتباع ائمة الجور الذى اصله اتباع اهواء النفس { ويؤتون الزكاة } حقوق المال الحلال وفضول التمتعات المحللة والالتذاذات المباحة المأمور بها بان يتمتع ويلتذ ويقلل منها تدريجا وقوة القوى العلامة والعمالة بصرفها فى قضاء حقوق الاخوان وعبادة الرحمن { والذين هم بآياتنا يؤمنون } وهذه صفات مترتبة فان التقوى بهذا المعنى مقدمة على الزكاة، والزكاة التى هى تضعيف قوى النفس مقدمة على ادراك كون الآية التدوينية او التكوينية آية، والايمان بها بعد درك كونها آية وللاشارة الى ان الايمان هو المقصد الاسنى كرر الموصول.

[7.157-158]

{ الذين يتبعون الرسول النبي } ابدل عن الموصول الاول او الثانى للاشارة الى ان الوصف الجامع للاوصاف الثلاثة هو اتباع الرسول { الأمي } المنسوب الى ام القرى كما فى الروايات او المنسوب الى الام لكونه لم يكتب ولم يقرأ ولم يحصل شيئا من الكمالات الانسانية مثل زمان ولادته من امه { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } باسمه ونعته وانصاره ومبعثه ومهاجره كما فى الروايات، فان الانبياء (ع) ولا سيما موسى (ع) وعيسى (ع) بشروا به اممهم واثبتوا خبره فى كتبهم { يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر } حال من فاعل يجدونه او مفعوله او كليهما او المستتر فى مكتوبا بتضمين مثل معنى الاتصاف اى حال كونه يتصف بالامر لهم بالمعروف او مستأنفة جواب لسؤال مقدر او نائب فاعل لمكتوبا، واصل المعروف على (ع) ثم ولايته ثم التخلق باخلاقه ثم العلم المأخوذ منه ثم العمل بالمأخوذ، ثم النبى (ص) ثم اتباعه ثم العلم المأخوذ منه ثم العمل بالمأخوذ وهكذا المنكر مقابلوا على (ع) وهذا هو الدليل التام على صدق الرسول (ص) فى رسالته، فان المعروف والمنكر معلوم اجمالا لكل احد اذا خلى وطبعه وترك الهوى واتباعه كما فى حديث؛ اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، واولى الامر بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر { ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث } اصل الطيبات على (ع) الى ما تستطيبه الطباع وتستلذه، واصل الخباثت من كان مقابلا لعلى (ع) الى ما تستكرهه الطباع وتستقذره، ومعنى احلال الطيبات وتحريم الخباثت اذا حملت على معانيها الظاهرة ظاهر، واذا حملت على معانيها التأويلية فمعناهما تسهيل طريق اخذ الطيبات وسد طريق الوصول الى الخبائث { ويضع عنهم إصرهم } الاصر الثقل والمراد منه ثقل التكاليف، فان للتكاليف فى بدو الامر ثقلا عظيما بحيث لا يكاد يتحمله المكلف فاذا اخذها من الرسول (ص) او خلفائه يتبدل ثقلها بالنشاط والسرور، وكما يتبدل ثقلها بالنشاط يتبدل ثقيلها ايضا بالخفيف الذى دون طاقة المكلف فى امة محمد (ص) كما فى الاخبار التى ورد فى تنزيل الآية { والأغلال التي كانت عليهم } الناشئة من الاهوية المختلفة المتكثرة المانعة لحركة المكلف نحو ولى امره فان لكل سلسلة تمنعه من الحركة لكن الانسان ما دام فى الدنيا لا يشاهدها الا من فتح الله عينيه وصار من اهل الآخرة وهو بعد فى الدنيا { فالذين آمنوا به } بالبيعة العامة وقبول الدعوة الظاهرة { وعزروه } عظموه بمنع الاغيار من ايذائه وبمنع الاهوية الفاسدة والخيالات الكاسدة من الغلبة على اتباعه وامتثال اوامره ونواهيه، وبعبارة اخرى بالتبرى عما يخالف امره ونهيه، فان امر محمد (ص) هو نازلة محمد (ص) وظهوره فى المرتبة النازلة وتعظيم امره (ص) ومنع الاهوية المانعة من امتثاله تعظيم له ومنع عنه { ونصروه } بنصرة امره ودوام الاتصال به حتى يلحق امره القالبى بامر الولى الذى هو وارد على القلب، وبعبارة اخرى بالتولى له فان التعزير كناية عن التبرى والنصرة عن التولى الذين يعبر عنهما تارة بالزكوة والصلوة، وتارة بالتقوى والايمان، وتارة بالتبرى والتولى والمفاهيم الظاهرة من تلك الالفاظ بحسب التنزيل لا حاجة لها الى البيان { واتبعوا النور الذي أنزل معه } النور هو الولاية ولذلك فسر بعلى (ع) فانه الاصل فيها ويعبر عنها بالنور لان النور هو الظاهر بالذات والمظهر للغير، والولاة هى التى يفتح بها عين القلب فيظهر به الصحيح من الاعمال والاحوال والاخلاق والعقائد من سقيمها، وبه ايضا يظهر دناءة الدنيا وشرافة الآخرة، واتباع الولاية هو آخر مراتب التكاليف القالبية وهو المقصود من البيعة العامة النبوية التى يعبر عنها بالاسلام وهو ما به ارتضاء الاسلام وما به تمامية نعمة الاسلام وهو اسنى اركان الاسلام واشرفها وهو الذى ليس وراءه مطلب سواه، فان جميع المراتب التى تتصور للانسان فى سلوكه مراتب الولاية والمراد بمعية النور لمحمد (ص) معيته القيومية، فان الولاية روح النبوة وقوامها ولذلك قال (ص):

" يا على كنت مع كل بنى سرا ومعى جهرا "

{ أولئك } تكرير المبتدء باسم الاشارة البعيدة تعظيم لهم وتصوير لهم باوصافهم الشريفة الجليلة وحصر للفلاح الحقيقى فيهم { هم المفلحون قل } يعنى بعد ما اظهرنا اوصافك وما به صدق رسالتك فأظهر رسالتك عليهم وقل { يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } لا اختصاص لرسالتى بقوم دون قوم { الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت } ذكر اوصافا ثلاثة لله مشيرا الى مبتدئيته ومرجعيته ومدبريته والى توحيد آلهيته والى انه الفاعل للحياوة والممات، ردا بها على الدهرية القائلة بان العالم لا مبدأ له، والثنوية القائلة بان مدبر العالم مبدءان قديمان مستقلان، النور والظلمة او يزدان واهريمن، والثنوية القائلة بان مبدء العالم هو الله واهريمن خلق من فكر سيئ ليزدان ولكن خالق الخير ومنه الحيوة يزدان وخالق الشر ومنه الموت اهريمن { فآمنوا بالله ورسوله } مقول قول النبى (ص) او قول الله تعالى بصرف الخطاب الى الناس والتفريع على قول النبى (ص) والمراد بالايمان هنا الايمان العام بقرينة قوله لعلكم تهتدون { النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته } التكوينيه والتدوينية المعبر عنه بالايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله التى هى اشار الى مراتب العالم من الملائكة المقربين والصافات صفا والمدبرات امرا والملائكة الركع والسجد وذوى الاجنحة مثنى وثلث ورباع التى مقامها الملكوت العليا وعالم الخلق والملكوت السفلى التى هى دار الجنة والشياطين وسجن الاشقياء والمذنبين؛ هذا بحسب النزول، وقد يعبر عنها بمراتب الولاية والنبوة التى يعبر عنها بمائة واربعة وعشرين الف نبى وبمائة واربعة وعشرين الف وصى كما فى الاخبار وهذا بحسب الصعود، والمراد بايمانه (ص) بكلمات الله ليس الايمان بالغيب ولا الايمان الشهودى بل الايمان التحققى المعبر عنه بحق اليقين فانه (ص) المتحقق بجميع المراتب والكلمات { واتبعوه } بامتثال اوامره { لعلكم تهتدون } الى الولاية جعل الايمان بالنبى (ص) واتباعه هداية الى الايمان بعلى (ع) وقبول ولايته (ع) كما فى قوله تعالى:

قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان

[الحجرات:17] اى لولاية على (ع)، فان الايمان المقابل للاسلام هو ولاية على (ع) بالبيعة الخاصة والميثاق المخصوص كما فى اخبارنا؛ ان الايمان هو معرفة هذا الامر او ولاية على (ع) او الدخول فى امرهم.

Unknown page