313

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ ثم آتينا موسى الكتاب } كتاب النبوة او التوراة التى هى صورة النبوة والعطف باعتبار المعنى كأنه قال هذا ما آتينا محمدا (ص) ثم آتينا موسى الكتاب والعطف ثم باعتبار الاخبارين والاعلامين او باعتبار تفاوت الخبرين فى الشرف باعتبار موضوعيهما ويحتمل العطف على جملة ذلكم وصيكم به لكنه بعيد عن الفصاحة لعدم المناسبة بينهما، واما العطف على وصيكم كما قيل فبعيد غاية البعد لعدم ظهور الرابط لمبتدء المعطوف عليه { تماما } من غير نقص فيه او تماما للنعمة وهو حال او مفعول مطلق او تعليل { على الذي أحسن } صار ذا حسن او جعل عمله حسنا وبأحد هذين المعنيين ورد تفسيره بان تعبد الله كأنك تراه او احسن الى الغير ومنع اساءته عنهم، اعلم، ان الحسن المطلق منحصر فى الولاية المطلقة التى صاحبها على (ع) بعد محمد (ص) وحسن غيرها من الذوات والصفات والافعال باعتبار اتصاله بها، وتفاوت الحسن فى الاشياء باعتبار تفاوتها فى القرب والبعد عنها، فالطالب للولاية يكون فى نفسه حسنا وافعاله التى تصدر عن طلبه تكون حسنة، والقابل لها يكون احسن وأفعاله التى تصدر عن جهة ذلك القبول أحسن من افعال الطالب، والقابل المشاهد لصورة الولى والناظر الى ملكوته احسن من القابل الغائب عن المشاهدة، وتلك المشاهدة هى التى تسمى عند الصوفية بالفكر وتمثل صورة الشيخ والنظر الى صورته أحسن من جميع افعاله والمتحقق بحقيقة الولاية وافعاله احسن من القابل المشاهد وافعاله { وتفصيلا لكل شيء } اعلم، انه تعالى وصف كتاب موسى (ع) بكونه تماما وتفصيلا لكل شيء ههنا وقال فى سورة الاعراف:

وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء

[الأعراف:145] وهذا يدل على انه تعالى جعل فى كتاب رسالته كل شيء مشتملا على كل شيء وكل شيء مظهرا تاما ومرآة كاملة لكل شيء، وقد قال بعض الصوفية: كل شيء فى كل شيء لكن ليس لكل احد ان ينظر كل شيء فى كل شيء، ولهذا قال: وكتبنا لموسى وما كان لغيره ذلك، ولما كان موسى (ع) بعد نبينا (ص) وبعد ابراهيم (ع) اوسع نظرا من حيث النظر الى الكثرات ومراتب كل ومباديه وغاياته، وصف كتابه المنزل عليه بأنه كتب له فيه من كل شيء تفصيلا لكل شيء، بمعنى أنه تعالى جعل لوح صدر موسى (ع) بحيث اذا انتقش فيه شيء من الاشياء انتقش فيه جميع مباديه الى مبدء المبادى وجميع غاياته الى غاية الغايات، وانتقش جميع لوازم المبادى والغايات، واذا انتقش جميع المبادى والغايات ولوازمها فى شيء لم يبق شيء الا انتقش، فيه لان الموجودات كلها متلازمات اذا الكل معاليل علة واحدة { وهدى ورحمة لعلهم } اى بنى اسرائيل { بلقآء ربهم يؤمنون } ان كان المراد بربهم الرب المطلق فالمراد باللقاء لقاء جزائه وحسابه وحسابه، وان كان المراد به الرب المضاف وهو ربهم فى الولاية فالمراد باللقاء لقاء ملكوت ذلك الرب وهو ادنى مراتب اللقاء والمعرفة بالنورانية وفوقه لقاء جبروته بمراتبها، يعنى آتينا موسى الكتاب للدعوة الظاهرة حتى يستعدوا بقبول تلك الدعوة الباطنة، ويستعدوا بقبول تلك الدعوة لفتح باب القلب ويشاهدوا بفتح باب القلب صورة ولى الامر بملكوته، وهو لقاء ربهم الذى هو ولى امرهم وبهذا اللقاء يحصل الفوز بالروح والراحة والامن والامان والسلامة من حوادث الزمان والنجاة من مضيق المكان؛ والى هذا اللقاء اشار من قال:

كرد شهنشاه عشق درحرم دل ظهور

قد زميان برفراشت رايت الله نور

وقد فسر السكينة فى الاخبار بما يدل على ظهور ملكوت ولى الامر فى القلب حيث ورد، انها ريح تفوح من الجنة لها وجه كوجه الانسان، فان الملكوت من الجنة، وكونها ذات وجه كوجه الانسان يدل على انها من الذوات الجوهرية الملكوتية لكونها من الجنة لا ما يفهم من لفظ الريح، ويسمى فى عرف الصوفية ظهور ملكوت ولى الامر على قلب الانسان بالسكينة كما يسمى بالفكر والحضور، وهذا اللقاء هو المراد بما يقولون: لا بد للسالك ان يجعل صورة المرشد نصب عينيه، يعنى ينبغى ان يصفو نفسه بالعبادات حتى يظهر فى قلبه ولى امره فيكون مع الصادق معية حقيقية لا ما يتوهم من ظاهر اللفظ من انه لا بد ان يتعمل ويتصور صورة مخلوقة له مردودة اليه، وقد ورد منهم، وقت تكبيرة الاحرام تذكر رسول الله (ص) واجعل واحدا من الائمة نصب عينيك؛ وعلى هذا كان المراد بالايمان ههنا الايمان الشهودى لا الايمان بالغيب .

[6.155]

{ وهذا كتاب أنزلناه مبارك } كثير الخير والنفع لان البركة الزيادة والنماء فى الخير وهو كلمة جامعة لكل ما ذكر فى وصف كتاب موسى (ع) مع شيء زائد وهو تعميم البركة لكل ما يتصور فيه البركة، وفى لفظ انزلنا دون آتينا دلالة على شرافة هذا الكتاب كأن كتاب موسى (ع) كان من سنخ هذا العالم فآتاه الله، والقرآن كان فى مقام اعلى من هذا العالم فأنزل الله الى هذا العالم السفلى وآتاه محمدا (ص) { فاتبعوه } حتى تفوزوا من اتباعه بولى امركم واتباعه فان فيه حجته وباتباعه تفوزون بفتح باب القلب وبفتحه نزول الرحمة من الله وادنى مراتب حقيقة الرحمة هو ملكوت ولى الامر { واتقوا } مخالفة ما فيه { لعلكم ترحمون } بلقاء ملكوت ولى امركم فان دار الشياطين هى حقيقة سخط الله والدنيا هى مظهر رحمته وسخطه معا والملكوت العليا هى حقيقة رحمته المتجوهرة وكذا الجبروت والمشية، وفى الاقتصار على لفظ ترحمون هنا والاتيان بقوله بلقاء ربكم تؤمنون هناك دلالة على شرافة هذا الكتاب كما لا يخفى.

[6.156-158]

{ أن تقولوا } يعنى انزلنا الكتاب كراهة ان تقولوا بعد ذلك او فى القيامة او لئلا تقولوا كذلك او كراهة هذا القول الواقع منكم على سبيل الاستمرار. اعلم، ان مثل هذه العبارة كثيرة فى الكتاب والسنة وجارية على السنة العرف والمقصود من مثلها ان هذا القول كان واقعا منكم وصار وقوع هذا القول سببا لانزال الكتاب لكراهتنا وقوع هذا القول منكم ولئلا يصدر مثله بعد منكم، ولما كان صدور هذا القول سببا لكراهته، وكراهته لهذا القول الصادر سببا لانزال الكتاب، وانزال الكتاب سببا لمنع هذا القول صح تفسيره بكراهة ان تقولوا، وبقولهم لئلا تقولوا، ولكن لا حاجة الى تقدير الكراهة او تقدير لا وعلى هذا كان المعنى انزلنا الكتاب لكثرة ما كنتم تقولون اظهارا للعذر فى تقصيركم فى العبادات وتحسرا على كونكم اميين { إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا } والاتيان باداة القصر لشهرة الكتابين واهلهما عندهم كأنهم كانوا لا يعرفون اهل ملة وكتاب غيرهما { وإن كنا } ان مخففة من المثقلة { عن دراستهم } قراءتهم وبيانهم للكتابين { لغافلين أو تقولوا } او للتوزيع يعنى كان بعضهم يقولون ذلك وبعضهم هذا { لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم } لانا احد ذهنا وادق فهما، وهذا هو ديدن النسوان لانهن لا يرضين بنسبة النقص الى انفسهن ويعتذرون بالاعذار الكاذبة ويفتخرن باستعداد الكمالات وقواها حين فقدانها على المتصف بها ويتحسرن على الفانية بالتمنيات والتعليق على الفائتات { فقد جآءكم } جواب لشرط مقدر، اى ان كنتم صادقين فقد جاءكم { بينة من ربكم } كتاب هو حجة واضحة على كل شيء من صدق النبى (ص) ونبوته والاحكام التى هى معالم الهداية { وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله } التدوينية والتكوينية واعظمها على (ع) فان الآيات التدوينية تدل على التكوينية وتكذيبها مؤد الى تكذيبها، وهو تعريض بانهم كذبوا بآيات الله بعد وضوحها ولا اظلم منهم { وصدف عنها } اعرض او منع لكن الثانى اولى للتأسيس يعنى ضل واضل { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون هل ينظرون } ما ينتظرون { إلا أن تأتيهم الملائكة } لقبض ارواحهم او لعذابهم حين الموت { أو يأتي ربك } فى الولاية وهو علوية محمد (ص) ووجهة ولايته كما قال (ع): يا حار همدان من يمت يرنى { أو يأتي بعض آيات ربك } كأشياع على (ع) الذين هم آياته تعالى، وتفسير الآيات فى الاخبار بالعذاب فى دار الدنيا لا ينفى كونها عند الموت قبل الارتحال من الدنيا ولا ينافى التفسير باشياع على (ع) لان العذاب آية على (ع) النازلة واشياعه آياته العالية { يوم يأتي بعض آيات ربك } يعنى حين معاينة الموت { لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا } هو اشد آية على اهل الايمان خصوصا على من لا يراقب جهة ايمانه الذى هو ذكره وفكره، وقد فسرت الآيات فى هذه الآية بالائمة (ع) وبطلوع الشمس من مغربها وبخروج الدجال وبظهور القائم (ع) وبخروج دابة الارض، ولا ينافي ما ذكرنا { قل انتظروا } احدى الثلاث { إنا منتظرون } لها فان لنا بذلك الفوز ولكم الويل.

Unknown page