669

114

{ لا خير فى كثير من نجواهم } نجوى الناس عموما ، وليس المراد قوم طعمة بن أبيرق كما قيل ، والنجوى ما يتحدث به اثنان فصاعدا ، منحازين به عن غيرهم ، كذا ظهر لى ، ثم رأيته للزجاج ، وانحيازهم به مسارة عن غيرهم ولو جهروا به فيما بينهم ، وشرط بعض الأسرار بينهم ، أو النجوى المتناجون ، والمفرد نجى كمريض ومرضى ، أو التناجى { إلا من أمر } منهم غيره ، أى إلا نجوى من أمر ، أو إلا أمر من أمر ، أو الاستثناء منقطع ، وإن أريد بالنجوى المتناجون كان متصلا ، فإنه يكفى فى صحة الاتصال صحة الدخول فيما قبل إلا ، ولو لم يجزم به ، نحو جاءنى كثير من الرجال إلا زيدا ، وشرط بعضهم الجزم ، فيكون المثال من المنقطع ، وكذا الآية { بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } أى إلا متناجين ، أمروا بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ، أو إلا تناحى من أمر ، والصدقة تشمل الواجبة وغيرها ، والمعروف ما يستحسنه الشرع ولو أنكره العقل ، لأنه لا نقول بالتحسين والتقبيح العقلين ، وذلك كالكلمة الطيبة لأهله ، وتعليم العلم ، والأمر العلم والأمر والنهى ، وإغاثة الملهوف ، وإعانة المحتاج ، والقرض ، قالت أم حبيبة رضى الله عنها : إن النبى A قال : « كلام ابن آدم كله عليه ، لا له ، إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر ، أو ذكر الله » ، والمعروف يعم الصدقة ، خصها بالذكر تعظيما لها ، وخص الثلاثة لأن عمل الخير فى حق الغير ، إما إيصال النفع بالمال وهو الصدقة ، وإما بمنفعة روحانية وهى الأمر بالمعروف ، وإما دفع الضر وهو الإصلاح بين الناس فى فساد فى واقع أو مشرق عليه ، كذا قيل ، وبقيت المنفعة بالبدن ، وعن ابن عمر عنه A : « أفضل الصدقة إصلاح ذات البين » ، وعن أبى الدرداء - مرفوعا- « إصلاح ذات البين أفضل من الصوم والصدقة والصلاة » ، قال رسول الله A لأبى أيوب الأنصارى ، فى رواية البيهقى عنه : يا أبا أيوب ، « ألا أدلك على صدقة يرضى الله تعالى ورسوله موضعها؟ قال : بلى . قال : أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا ، وتقرب بينهم إذا تباعدوا » ، وفى رواية : ألا أدلك على صدقة ، هى خير لك من حمر النعم؟ قال : نعم يا رسول الله . قال : أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا وتقرب بينهم إذا تباعدوا ، قالت أم كلثوم بنت عقبة : سمعت رسول الله A : بقول : « ليس الكذاب بالذى يصلح بين الناس ، فينمى خيرا ، أو يقول خيرا » ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود ، وليس فى الآية فعل الصدقة والمعروف وغلإصلاح ، بل الأمر بهن ، ففى الآية الآمر بالخير كفاعله ، وفيها جواز أن تقول للإنسان تصدق بكذا من مالك للفقراء ، أو على الناس ، أو على فلان ، أو فى وجه كذا من وجوه الأجر ، وفى الفروع منع ذلك ، ووجهه خوف أنيعطى بلا طيب نفس حياء ، فنقول تحمل الآية على الأمر تعميما ، أو حيث لا يعطى إلا بطيب نفس ، وذلك أمر الإنسان غيره بالفعل ، وذكر نفس الفعل المأمور به فى قوله { ومن يفعل ذلك } أى من يتصدق أو يعمل معروفا أو يصلح بين الناس ، ويجوز أنياد يفعل ذلك الآمر به المذكور ، أى ومن يأمر بذلك ، فيفهم الفعل بالأولى ، والأمر فعل ، أو عبر بالفعل ليشمل الإشارة ، والكتابة فى إيقاع ذلك ، وفى الأمر به ، ولأن المقصود الترغيب فى الفعل ، وإما أن يراد بالفعل ما يعم الأمر بذلك وفعله ، فجمع بين الحقيقة والمجاز ، أو من عموم المجاز ، والمراد بقوله ، ذلك ، بعض ذلك ، أو المراد ما ذكر على ما فى الآية من أو { ابتغآء مرضات الله } لا رياء أو سمعة ، أو غرضا دنيويا ، والأعمال بالنيات ، والرثاء محبط للعمل ومهلك ، وذكر الغزالى أنه إذا كان الإحلاص غالبا أثيب وإلا أحبط ، وقيل يثاب على قدر الإحلاص ولو قل { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } يستحقر عنده كل ما فعله من الخير .

Page 170