Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
وروي أيضا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):
" ما من رجل يكون له ابل أو بقر أو غنم لا يؤدي حقها، إلا أتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كلما جازت أخراها، ردت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس ".
واعلم أن هذه التمثيلات المشاهدة يوم القيامة، كما ورد في هذه الأحاديث كلها حق وصدق يجب الإيمان بها، ولكني أراك - يا حبيبي - عاجزا عن فهمها، وسر حقائقها، وروح معانيها، لأنك ونظرائك عاكفون على أصنام الأجسام الدنيوية لا تجاوزونها في باب الاعتقاد.
ولو نظرتم إلى هذه الأجسام الدنيوية المشاهدة لهذه الحواس أيضا لعلمتم أن أصلها نشأت من المعاني والجهات العقلية، التي اقتضت وجودها اقتضاء ذاتيا، كعلوم الباري جل ذكره، أو ادراكات المبادئ المقومة إياها، فهذه الأجسام كأنها معان تجسمت، وتكونت، وانحصرت في مضائق الأبعاد والأحياز، وكأنها أرواح تجسدت، وعقول تشكلت، إلا أن بعضها وجدت على سبيل الحركة والاستعداد بمشاركة انفعال من المواد، وبعضها نشأت على سنة الإبداع في الإيجاد.
وأما الدار الآخرة - وهي دار القرار ودار جلال الله وكبريائه - فالقدرة فيها أوسع، وأقوى، فبأن يتكون به الأشكال، والأمثال، والأبعاد والأجرام من المعاني، والاعتقادات، والأفكار، والملكات، كان أليق وأولى.
فليعلم أن هذا الثعبان المطوق في عنق مانع الزكاة، والحية القرعاء التي تأكل من دماغه، والشجاع الأقرع المتمكن من أن يأخذ بلهزمتيه - المتمثل له يوم الآخرة - وكذا الابل، والبقر، والغنم، التي ستطأه يوم القيامة بأخفافها، وتنطحه بقرونها، ليست بأمور خارجة عن ذات الميت - أعني ذات روحه، لا ذات جسده، فإن الروح هي التي تتألم وتتنعم - بل هي مما كانت معه قبل موته متمكنة من صميم باطنه: لكنه لم يكن يحس بلذعها، وكيها، ووطئها، ونطحها، لخدر، وسكر، كانا فيه؛ لغلبة الشهوات والشواغل الملهية عن ذكر الآخرة، المنسية للقاء عالم المعاني والحقائق المتمثلة بصورها الأصلية.
فإن لكل معنى صورة أصلية هي مثال ذاتها بالحقيقة وصورة مجازية لها تعلق ما بتلك الصورة الأصلية، فيه مثال المثال.
فالأشكال الأخروية هي مثالات المعاني والحقائق، والأجسام الدنيوية هي أمثال وضعية تمثلت بتوسط الحركات والانفعالات، فهي كالنسخة الثانية لكتاب الحقائق، ولهذا مما يقع فيها الخطأ في الحكاية عنها لمن قلت ممارسته لقراءة الكتب، فيرى الظلمة نورا، والظل حرورا، والهاوية قصورا، والمحنة سرورا، والعذاب راحة، والنقمة نعمة، والقبيح حسنا، والحسن قبيحا.
فجميع ملاذ الدنيا ينقلب آلاما في الآخرة، وذلك مما يشاهده أهل البصيرة بعيون قلوبهم الصافية عن غشاوة الشك والامتراء، فهم يشاهدون كيف تتمثل هذه الهيئات النفسانية وتتجسم يوم القيامة، ويقرؤون كتابهم وكتاب غيرهم قبل نشر الكتب، ويحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
فيعلمون أن جميع ما ورد في باب مانع الزكاة حق وصدق، ويعلمون سر قوله تعالى:
Unknown page