903

[آل عمران:178].

ومنهم من قال: إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين، لكن أنعم عليه في الدنيا - وهو قول الباقلاني - وهذا أقرب إلى الصواب.

لكن الإشكال المذكور في مثال الحلوى المسمومة باق، لا يمكن حله بقوة فكر المتكلم ، وصنعته وتلفيقه للكلام، وإنما ينحل وينكشف بقوة نور البصيرة الكاشفة لأسرار حكمة الله في خلق الكفار، وتنعيمهم مدة لعمارة هذه الدار، وتعذيبهم في دار القرار، فهذا التنعيم بعينه إما عين ذلك التعذيب، أو منجر إليه. قال تعالى:

فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها

[الحج:19 - 22] وقيل لهم:

ذوقوا عذاب الحريق

[الحج:22].

أي الذين انقطعوا عن الله وعالم ملكوته، أعرضوا عن أصحاب القدس والتجريد، وأهل الروح والعقل باتباع الهوى، والشهوة، والطبيعة، قطعت لهم بتقطيع خياط القضاء ثياب من نار القدر على قدر نفوسهم، المحترقة بنار الهوى، وكبريت الشهوة، وحطب الطبيعة، وهي ثياب أخلاق ذميمة، نسجت من سدى مخالفات الشرع ولحمة موافقات الطبيعة. ويصب من فوق رؤوسهم - أي من مبدإ الإفاضة عليهم - حميم الشهوات النفسانية؛ لسوء قابليتهم لماء الإفاضة، فيصير حميما في حقهم على ما قيل:

ومن يك ذا فم مر مريض

يجد مرا به الماء الزلالا

Unknown page