Your recent searches will show up here
Tafsīr ṣadr al-mutaʾallihīn
Ṣadr al-Dīn al-Shīrāzī (d. 1050 / 1640)تفسير صدر المتألهين
ثم قال: " وعندي وجه ثالث أقوى من الوجهين، وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط. فأعاد الله الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها، بل هو باق بعد التوبة، لأن الأمر بالهبوط كان تحقيقا للوعد المتقدم في قوله:
إني جاعل في الأرض خليفة
[البقرة:30].
وقيل: سبب التكرار اختلاف المقصود في الأمرين. فإن الأول: دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني: أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى نجا، ومن ضل هلك، كما يقال: " اذهب سالما معافيا، اذهب مصاحبا " وإن كان الذهاب واحدا لاختلاف الحالين.
وهاهنا وجه آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون الهبوط الأول إلى البدن، والهبوط الثاني إلى الدنيا. ومنشأ الأول حاجة النفس لتكميلها إلى قواها، ودواعيها، كالشهوة، والغضب التي في البدن، ومنشأ الثاني حاجتها بواسطة تكميل البدن ومنافعه ومضاره إلى الأمور الخارجة عنه.
ومما روي في الأخبار والحكايات: أن آدم (عليه السلام) أهبط بالهند وحواء بجدة، وإبليس بموضع من البصرة، والحية باصبهان.
إشارة قرآنية
كراهية الإنسان للهبوط ثم للعروج
ثم إن في الآية اشعارا لطيفا بأعجب أحوال الإنسان، فإن من عجيب أحواله أن مفارقته عالم القدس والرحمة، وبعده عن درجة المقربين، وهبوطه إلى دار الدنيا، كان صعبا عليه في أول الأمر بمقتضى صفائه الذاتي، وفطرته الأصلي، ولم يرض بالكون في هذا العالم بل استكرهه واستوحشه، حتى صدر الأمر بهبوطه مرة بعد أولى، ثم إذا وقع في هذه الدار - دار الغربة والوحشة - ومضت عليه برهة من الزمان، نسي موطنه الأصلي، وداره، وأحباءه الذين صحبهم فيها، وألف هذا المنزل وتثبط فيه، وكره الخروج منه، واستأنس بأهل الدنيا، واستصعب مفارقتهم.
وللشيخ أبي علي بن سينا قصيدة يومئ إلى هذا المعنى وإلى بعض أحوال النفس من تجردها وتعلقها، هذه بعض أبياتها قال:
Unknown page