879

واعترض الإمام الرازي على أول الوجهين من وجهين :

أحدهما: إنه قال في الهبوط الأول:

ولكم في الأرض مستقر

[البقرة:36]. فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكره عقيب الأمر بالثاني أولى.

وثانيهما: إن ضمير { اهبطوا منها } عائد إلى الجنة: وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة.

أقول: للمناقشة في كلا البحثين مجال:

أما الأول: فإن الاستقرار المذكور وإن لم يحصل إلا بعد الهبوط الثاني، لكن يجوز ذكره سابقا عليه لفوائد أخرى كالتشديد، والمبالغة في الاخراج، كمن يقول لأحد يريد اخراجه من داره " أخرج فإنك لا تليق بهذه الدار، ومكانك ينبغي أن يكون في بلاد الهند ".

ويؤيد قول الجبائي ما ورد في حكاية آدم وخروجه من الجنة أنه " لما أمر بالخروج أتى إلى باب الجنة ليخرج منها، فلما أراد أن يضع قدمه خارجا قال { بسم الله الرحمن الرحيم } فلما سمع جبرائيل منه أوقفه انتظارا للرحمة، فقال " إلهي ارحم عليه، فقد ذكر كلمة عظيمة " فأعاد الله الأمر بالهبوط، ونبه على أن له في هذا الأمر رحمة آجلة أعظم وأوسع من هذه الرحمة العاجلة " فالقصة دالة على أنه وقع لآدم وقفة في سور الجنة المضروب بينها وبين سماء الدنيا.

والمراد من السماء الدنيا على طريقة التوصيف مجموع عالم السماء، لأنها بالقياس إلى الجنة دانية، فالأمر بالهبوط الثاني كان متعلقا بنزول آدم من السماء إلى الأرض بعد خروجه من الجنة بالأمر الأول إلى بابها الذي هو في عالم السماء.

وأما الثاني: فعود الضمير إلى الجنة إنما وقع لأن ابتداء الهبوط كان منها، وليس قوله { منها } داخلا في المأمور به.

Unknown page