747

وأما قولكم: " إن الشرف للعلو " إن عنيتم به جهة العلو فلا شرف فيه وكم من عال جهة، سافل جهة، وعلما، وذاتا، وطبيعة. وبالعكس.

وأما قولكم: " إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء، وصفاتها، ومحالها " فليس بحق. وهو مذهب اللعين الأول، حيث نظر إلى ذاته وذات آدم (عليه السلام) ففضل ذاته - إذ هي مخلوقة من النار وهي علوية نورانية - على ذات آدم وهو مخلوق من طين - وهو سفلي ظلماني.

بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر وقبوله، ومن كان أقبل لأمره تعالى، وأطوع لحكمه، وأرضى بقضائه فهو أشرف، ومن كان على خلاف ذلك فهو أبعد، وأخس، وأخبث.

فأمر الباري تعالى هو الذي يعطي الروح:

قل الروح من أمر ربي

[الإسراء:85] وبالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقية، وبالحياة يستفيد العقل الغريزي وبالعقل تكتسب الفضائل، ويجتنب عن الرذائل، ومن لم يقبل الأمر الإلهي فلا روح له ولا حياة ولا فضيلة، ولا شرف.

أقول: قد رجع هذا الكلام إلى الاعتراف بأن الشرف والفضيلة إنما هو بأمر جوهري، فإن حقيقة الأمر الإلهي الذي بقبوله يصير الإنسان ذا روح، وعقل، وحياة دائمة هو الذي به يتجوهر الإنسان تجوهرا روحانيا، ويتذوت ذاتا عقلية دائمية.

وأما خطأ اللعين فليس لأجل حكمه بأن النار أشرف من الطين، بل لأجل زعمه أن حقيقة الإنسان هي البدن المخلوق من التراب، أو لأجل توهمه أن شرف الذات والصورة تابع لشرف الجسمية والمادة فهاهنا مغالطة بأخذ ما بالعرض مكان ما بالذات.

الوجه الخامس: إن الروحانيات أشرف بقوتي العلم والعمل من الجسمانيات. أما العلم: فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا، واطلاعهم على مستقبل الأحوال الجارية علينا، ولأن علومهم كلية وعلوم الجسمانيات جزئية، وعلومهم، فعلية وعلومها انفعالية، وعلومهم فطرية وعلومها كسبية، فمن هذه الوجوه تحقق لهم الشرف عليها.

وأما العملية: فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة، ودوامهم على الطاعة

Unknown page