746

ثم يكون بين الرسول والروح مناسبة وملاقاة عقلية، فيكون الروح الأول مصدرا، والرسول مظهرا، ويكون بين الرسول وسائر البشر مناسبة وملاقاة حسية، فيكون الرسول مؤديا والبشر قابلا.

أقول: إن لفظ " القوة " يطلق بالاشتراك اللفظي على ما هو بمعنى الإمكان الاستعدادي، والقوة الانفعالية التجددية، وعلى ما يكون بمعنى الإمكان الذاتي والاستحقاق الفطري. والأول لا يجامع الفعلية، بخلاف الثانية، فالإبداعيات كمالاتها فطرية، والجسمانيات كمالاتها تجددية كسبية. وأما النفس فلها إمكان ذاتي في ذاتها، ولها إمكان استعدادي به تنتقل من حالة إلى أخرى - ولكن بحسب تعلقها إلى المادة الجسمانية -.

فالأولى أن يجاب عن استدلال الصابئة الذي من هذا النمط، على أن أشرف الروحانيات أشرف من الأنبياء: بأن النفوس البشرية يجوز أن تتدرج في الاستكمال، وترتقي إلى جانب علو الكمال بعد الهبوط والنقصان، بحيث تنتهى درجتهم إلى درجة الروحانيين، أو أعلى منهم بحسب الفطرة الثانية، وإن لم يكونوا كذلك في الفطرة الأولى.

هذا إذا كان المراد من الفطرة الأولى لهذه النفوس ما لها في أول تكونها الجسماني، وإن اريد بها ما عبر عنها بفطرة الله التي فطر الناس عليها، فهي أيضا غير قاصرة عن درجة فطرة الروحانيين. وسيأتي لهذا وضوح وانكشاف.

الرابع: أن الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة. فكيف تتساويان؟ والاعتبار في الشرف والفضيلة بذوات الأشياء وصفاتها، ومراكزها، ومحالها، فعالم الروحانيات، العلو لغاية النور واللطافة، وعالم الجسمانيات، السفل لغاية الكثافة والظلمة، والعالمان متقابلان. والكمال للعلوي والصفتان متضادتان، والشرف للنور لا للظلمة.

الجواب: لسنا نوافقكم أولا: على أن الروحانيات كلها نورية، ولا نساعدكم ثانيا، أن الشرف للعلو، ولا نسالمكم ثالثا: أن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء.

أما بيان الأول: فقد حكمتم على الروحانيات حكم التساوي وما اعتبرتم فيها التضاد والترتيب، وإذا كانت الموجودات كلها على قضية الترتيب والتضاد فلم أغفلتم الحكمين هاهنا. فإن من قال: " الروحاني ما ليس بجسماني " فقد أدخل جواهر الشياطين، والأبالسة والجن في جملة الروحانيات.

ثم من الجن من هو مسلم، ومنها من هو ظالم، ومن قال " الروحاني هو - المخلوق روحا " فمن الأرواح ما هو خير، ومنها ما هو شرير؛ والأرواح الخبيثة أضداد للأرواح الطيبة؛ فلا بد إذن من إثبات تضاد وتنافر بين القسمين، فلم قلتم: إنها كلها نورانية.

وعندنا - معاشر الحنفاء - الروح هو الحاصل بأمر الله، الباقي على مقتضى أمره، فمن كان لأمر الله أطوع، وبرسالات رسله أصدق، كان الروحانية فيه أكثر، والروح عليه أغلب، ومن كان لأمره تعالى أنكر، وبشرائعه أكذب، كانت الشيطنة عليه أغلب.

هذه قاعدتنا في الروحانيات، فلا روحانية أبلغ في الروحانيات من ذوات الأنبياء (عليه السلام).

Unknown page