721

[الرحمن:29]. كل لحظة لعباده، فينزل الأمر الإلهي من الحضرة الأحدية، ثم الواحدية إلى المراتب العقلية الروحية، ثم اللوحية، ثم الطبيعية الكلية، ثم الهيولى الجسمية، ثم العرش، ثم الكرسي والسموات، منحدرا من المراتب الكلية إلى الجزئية، إلى أن ينتهي إلى مادة الإنسان، منصبغا بأحكام جميع ما مر عليه في آن واحد، من غير تخلل زمان، كذلك إذا انتهى إليه وانصبغ بالأحكام الغالبة عليه، ينسلخ منه انسلاخا معنويا، ويرجع إلى الحضرة الإلهية.

فإن كان المنتهى إليه من الكمل، فالنازل يكون قد أتم دائرته وصارت آخريته عين أوليته، لأنه مظهر المرتبة الجامعة الإلهية. وإن كان من السائرين الذين قطعوا بعض المنازل والمقامات، أو الباقين في أسفل السافلين والظلمات، فيكون قطع نصف الدائرة أو أكثر، ثم انسلخ ورجع إلى الحضرة بالحركة المعنوية، فهو المبدء والغاية " انتهى كلامه.

وههنا سر آخر وهو أن الإنسان، لما كان غاية سلسلة الأكوان وخليفة الله، لكونه أبدع ما في عالم الإمكان، فيكون علمه لمعة من نور علم الله، كما أن وجوده مرآة لشمس وجود الله، ففي قوله: { إني أعلم غيب السماوات } بعد قوله: { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم } ايماء لطيف بأن آدم من شأنه أن يعلم غيب السموات والأرض، ومن شأنه أن يقول: " إني أعلم ذلك " لإعطاء نشأته علم ذلك.

وكذا الكلام في قوله: { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } ، فإنه لما أنبأ الملائكة بمعاني أسماء الموجودات العلوية والسفلية، والظاهرة والباطنة - لاحتواء نشأته الجمعية عليها -، فكأن الحق سبحانه قال بلسانه هذا الكلام، نظيره ما ورد في الخبر: " إن الله سبحانه يقول بلسان عبده: سمع الله لمن حمده ".

قال بعض بعض أهل المكاشفة والتحقيق: " لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى - التي لا يبلغها الإحصاء - أن يرى أعيانها - وإن شئت قلت: أن يرى عينه - في كون " جامع يحصر الأمر، لكونه متصفا بالوجود، ويظهر به سره إليه "... " وقد كان الحق أوجد العالم كله وجود شبح مسوى لا روح فيه، فكان كمرآة غر مجلوة، ومن شأن الحكم الإلهي، أنه ما سوى محلا إلا ولا بد أن يقبل روحا إلهيا عبر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلا حصول الاستعداد من تلك الصورة المسواة لقبول الفيض المتجلي الدائم، الذي لم يزل ولا يزال، وما بقي ثمة إلا قابل، والقابل لا يكون إلا من فيضه الأقدس، فالأمر كله منه ابتداؤه وإليه انتهاؤه، وإليه يرجع الأمر كله كما ابتدء منه.

فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم [عليه السلام] عين جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة المسواة التي هي صورة العالم، المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير، وكانت الملائكة له كالقوى الروحانية والحسية التي في النشأة الإنسانية.

وكل قوة منها محجوبة بنفسها، لا ترى أفضل من ذاتها، وإن فيها - فيما تزعم - الأهلية لكل منصب عال ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعية الإلهية بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف، إلى ما تقتضيه طبيعة الكل التي حصرت قوابل العالم كله - أعلاه وأسفله.

قال: " فأما انسانيته - فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلها، وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظر، وهو المعبر عنه بالبصر، فلهذا اسمي إنسانا فإنه به نظر الحق إلى خلقه فرحمهم، فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، فتم العالم بوجوده، فهو من العالم كفص الخاتم من الخاتم الذي هو محل النقش، والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه.

وسماه خليفة من أجل هذا، لأنه تعالى الحافظ خلقه، كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليها، لا يجسر أحد على فتحها إلا باذنه، فاستخلفه في حفظ العالم، فلا يزال العالم محفوضا ما دام فيه هذا الإنسان الكامل، ألا تراه إذا زال وفك من خزانة الدنيا، لم يبق فيها ما اختزنه الحق فيها، وخرج ما كان فيها، والتحق بعضه ببعضه، فانتقل الأمر إلى الآخرة، فكان ختما على خزانة الآخرة ختما أبديا.

فظهر جميع ما في الصورة الإلهية من الأسماء في هذه النشأة الإنسانية، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة "... " فإنها لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحق من العبادة الذاتية، فانه ما يعرف أحد من الحق إلا ما يعطيه ذاته.

Unknown page