678

[البقرة:245]. - وأمثال ذلك -، فيقبله العارفون مظاهر الحق، وينكره المؤمنون المحجوبون، لاعتقادهم بأن الحق ما يتنزل عن مقامه الكمالي؛ فيقبل كل منهم ما يليق بحاله ويناسبه من التجليات الإلهية، وأنكر ما لم يكن يعطيه شأنه، والإنسان الكامل هو الذي يقبل الحق في جميع تجلياته ويعبده فيها.

ولما كانت العقول الضعيفة عاجزة عن إدراك التجليات الإلهية في كل موطن ومقام، والنفوس الأبية طاغية غير معظمة لشعائر الله، أوجبت إسناد الصور الكمالية إليه تعالى، ورد ما يوجب النقصان عنه؛ مع أنه هو المتجلي في كل شيء، والمتخلي عن كل شيء " - انتهى.

فقد ظهر أن كل واحد من الممكنات يعرف معبوده بما غلب على نشأته، فالملائكة لكونهم مجردين عن صفات الأجسام، يصفون الحق بصفات التسبيح والتقديس ، ولهذا ذكر مجاهد في تفسير قوله: { ونقدس لك } " أي: نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء مرضاتك ". وبعض الناس - كالظاهريين - يصفونه تعالى بصفات التشبيه، كالاستواء والمجيء والنزول والغضب وغيرها، وكذا القياس في غيرهم، كل يصفه بما هو مقامه في الشهود، فأهل الحواس بالمحسوسية، وأهل الخيال بالموهومية، وأهل العقل بالمعقولية، والكل مصيب من وجه ومخطئ من وجه، والله تعالى - وهو أعرف بذاته مما سواه -، وقد وصفه بالصفات المتضادة والأسماء المتقابلة.

فقد علم أن الكل عاجزون عن درك جمال صفاته، قاصرون عن معرفة كمال ذاته - إلا من علمه ربه بتعليم الأسماء، وهداه إلى معرفته بقصر نظره إليه في مقام الفناء عما عداه -.

[2.31]

وقرئ: " وعلم آدم " - على البناء للمفعول.

اعلم أن الملائكة لما سألوا الله عن وجه الحكمة في جعل الإنسان خليفة في الأرض دونهم، وأجاب بوجه اجمالي؛ أراد أن يزيدهم بيانا وكشفا، أخبر عن وجه الحكمة في ذلك تفصيلا لميا؛ فبين لهم جهة فضيلة الإنسان عليهم، وذلك بأن علمهم معرفة الأسماء - إما بخلق علم ضروري أو إلقاء في روعه، ولا يفتقر إلى سابقه اصطلاح - وإلا لتسلسل.

هذا إذا كان المراد من الإسم ما غلب عليه العرف العام الطارئ من اللفظ الموضوع لمعنى - سواء كان مركبا أو مفردا، وسواء كان المركب خبرا أو انشاء؛ والمفرد مخبرا عنه أو به أو رابطة بينهما، أو الاصطلاح النحوي من المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة -، وأما إذا كان المراد منه باعتبار اشتقاقه من " السمة " - ما يكون علامة للشيء ودليلا يرفعه إلى الذهن، سواء كانت ألفاظا، أو صفات أو أفعالا، كما هو عند العرفاء -، فليس منحصرا فيما للوضع فيه مدخل، بل يشمله وغيره.

والظاهر أن المراد من تعليم الأسماء، ليس مجرد تعليم الألفاظ الموضوعة بحسب دلالتها على المعاني كما في التعريفات اللفظية، بل إفادة العلم بحقائق الأشياء وماهياتها، وإن كان الأول أيضا مستلزما للعلم بمدلولاتها بوجه من الوجوه؛ وذلك لأن معرفتها من جهة اللغات ليست كمالا يعتد به، إنما الكمال الأتم في الحكمة والمعرفة.

فالمعنى: أنه تعالى خلق آدم عليه السلام من أجزاء مختلفة، وقوى متبائنة، مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات، لاشتماله على جميع النشئات الدنيوية والمثالية والأخروية، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وحقائقها الكلية والجزئية، وخواصها وأسماءها، وأصول العلوم وقوانين الصناعات، وكيفية اتخاذ الآلات، حتى صار في نفسه عالما تاما منفردا منفصلا عن العوالم كلها، ذا هيئة جمعية ونظام وحداني مضاهيا للعوالم الثلاثة.

Unknown page