Tafsīr Ṣadr al-Mutaʾallihīn
تفسير صدر المتألهين
فصل
قوله تعالى: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك }
قال صاحب الكشاف: " التسبيح تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه. من سبح في الأرض والماء، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. و { بحمدك } في موضع الحال، أي: نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك، لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك " - انتهى.
وقيل: تداركوا به - أي: بحمدك - ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم.
و { نقدس لك } ، أي نطهر نفوسنا لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح، وسفك الدماء - الذي هو أعظم الأفعال الذميمة - بتطهير النفس عن الآثام.
وقيل: اللام زائدة، أي نقدسك.
وقال بعضهم: إن هذه الجملة حال مقررة لمضمون وجه الإشكال، والمعنى: أتستخلف من شأنه صدور دواعي الشهوة والغضب منه، ونحن معصومون من هذه الآفة أحقاء بذلك، كقولك: " أتحسن إلى أبا عدك وأنا من أقربائك "؟!.
وقد مر أن مقصودهم الاستخبار والاستعلام، فإنهم لما علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى، عليها مدار أمره ودوام عمره: الشهوية والغضبية: - وهما يدعوانه ويؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء -، والعقلية: - وهي تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظروا إلى أحوال هذه القوى مفردة مفصلة - لا على النظم الوحداني -، قالوا: " ما الحكمة في استخلاف من يصحب تينك القوتين، وهما مما لا يقتضي الحكمة ايجاد من يصحبهما، فكيف استخلافه؟ وأما باعتبار القوة العقلية، فنحن نقيم ما يتوقع منه سليما عن معارضة تلك المفاسد " وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل، متمرنة على الخير، كالعفة والشجاعة، ومجاهدة الهوى ورعاية الانصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد، كالإحاطة بالجزئيات، واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل، الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالا بقوله: { قال إني أعلم ما لا تعلمون }.
أقول: منشأ خلافة الإنسان، إما من جهة القرب والشرف، أو من جهة الكمال والمناسبة، وإن كان مرجع هذين إلى أمر واحد، فإن الأقرب إلى الله وجودا، يكون أكثر كمالا وأشد مناسبة له من غيره، إلا أن المشهور أنهما متغائران حيثية واعتبارا.
فنقول: إن كان منشأها القرب، فالوجه في تقرير الإشكال وتقرير الجواب كما سبق، وذلك يناسب آراء الحكماء وأصولهم. وإن كان منشأها المناسبة والطاعة وعدم المعصية، فالوجه كما ذكره هذا القائل إشكالا وجوابا، وهذا يناسب أطوار الصوفية وأغراضهم، فإن مناط الخلافة الإلهية عند هؤلاء، باستجماع الكمالات والاتصاف بجميع أصناف صفات الملائكة والجان والحيوان، وعند الحكماء بالبراءة عن الشرور والنقائص من جهة العلم والعرفان.
Unknown page