Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī
تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني
[89]
قوله عز وجل : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ؛ قال ابن عباس : (هو أن يحلف الرجل بالله في الشيء يرى أنه كذلك). وقالت عائشة : (هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، يصل به كلامه ولا يعقد عليه قلبه). واللغو في اللغة : هو الكلام الساقط الذي لا يعتد به.
قوله تعالى : { ولاكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } ؛ أي بما وكدتم الأيمان. قرأ أهل الحجاز وحفص وأبو عمرو : (عقدتم) بالتشديد ، وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا : بالتخفيف (عقدتم). ومعناه : أن يحلف الرجل على أمر في المستقبل ليفعله ثم لا يفعله ، أو يحلف أن لا يفعله ثم يفعله. فمن قرأ (عقدتم) بالتشديد فمعناه المبالغة والتأكيد. وفائدته أن يعتقدها في قلبه ، ولو عقدها في أحدهما دون الآخر لم يكن معتقدا ، وهو كالتعظيم.
وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول : (قراءة التشديد لا تحتمل إلا العقد بالقول ، وقراءة التخفيف تحتمل عقد القلب ، وهو العزيمة والقصد إلى القول). ويحتمل عقد اليمين قولا ؛ يقال : عقدت على أمر كذا ؛ إذا عزمت عليه.
وقيل : الأصح أن المراد بالعقد القول ؛ لأنه لا خلاف بين الأئمة أن القصد من اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة ، وإن وجوبها متعلق باللفظ دون القصد. ويحتمل أن يكون معنى التشديد : أنه متى أعاد اليمين على وجه التكرار ، وهو يريد التكرار لا يلزمه إلا كفارة واحدة.
وقرأ أهل الشام : (عاقدتم) بألف وهو من المعاقدة ، وهو أن يحلف الرجل لصاحبه على مسألته ، أو يحلف كل واحد منهما لصاحبه.
قوله تعالى : { فكفارته } ؛ أي كفارة ما عقدتم من الأيمان عند الحنث ، { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } ؛ أي من أعدل ما تطعمون أهليكم غداء وعشاء ولا وكس ولا شطط.
وقيل : معناه : من أوسطه في الشبع ، ولا تفرط في الأكل ، ولا يكون دون المغنى عن الجوع ، فإن أراد أن يطعمهم الطعام أعطى لكل مسكين نصف صاع من حنطة عند أصحابنا ، هكذا روي عن عمر وعلي وعائشة. وقال الشافعي ومالك : (مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم).
والمد : رطل وثلث ، وهكذا روي عن زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمرو رضي الله عنهم أجمعين. وأما غداؤهم وعشاؤهم فلا عبرة بمقدار الطعام ، إلا أن يكون فيهم صبي صغير لا يستوفي الأشياء يسيرا فلا يعتد به حينئذ ، وإنما قال : يغديهم ويعشيهم ؛ لأن ذلك أوسط طعام الأهل ؛ لأن أكثر الأكل ثلاث مرات ، وأقله وجبة ، والغالب الأوسط ؛ والأوسط الغالب مرتان. وقال سعيد بن جبير : (يعطي لكل مسكين مدين ؛ مد لطعامه ومد لإدامه).
وسئل شريح عن الكفارة ؛ فقال : (الخبز والزيت). فقال له السائل : رأيت إن أطعمت الخبز واللحم ، فقال : (ذلك أرفع طعام أهلك وطعام الناس).
Page 187