650

Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

[48]

قوله تعالى : { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب } ؛ أي وأنزلنا إليك يا محمد القرآن بالصدق ، وموافقا لما تقدم من الكتب في التوحيد ، وبيان الحق من الباطل ، { ومهيمنا عليه } ؛ أي أمينا ومؤتمنا على ما قبله من الكتب. ويقال : شاهدا على الكتب كلها ، وهذا وصف خاص للقرآن دون ما سواه.

وأصل مهيمن : مؤتمن ، على وزن مفيعل من الأمانة ، إلا أن الهاء أبدلت من الهمزة كما قالوا : أرقت الماء وهرقت الماء ، وأناك وهناك ، وهيهات وأيهات ، ونظير المهيمن : مسيطر. قال الشعبي والكسائي ورواية الكلبي عن ابن عباس معنى قوله { ومهيمنا عليه } أي شاهدا ، قال الشاعر : إن الكتاب مهيمن لنبينا والحق يعرفه ذوو الألبابأي شاهدا. وقال ابن جبير وأبو عبيد والحسن : (أمينا) ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. وأمانة القرآن أنه أمين على ما قبله من الكتب وهي فيما أخبر به أهل الكتاب في كتبهم ، فإن كان ذلك في القرآن فصدقوا وإلا كذبوا. وقال الضحاك : (مهيمنا ؛ أي قاضيا). وقال عكرمة : (دالا). وقال ابن زيد : (مصدقا). وقال الخليل : (رقيبا وحافظا).

ويقال : هيمن فلان على كذا إذا شاهده وحفظه. تقول العرب للطائر إذا طار ، وحول وكره ، ورفرف على فرخه صيانة له : هيمن الطير يهيمن ، وكذلك يقال للطائر إذا أرخى جناحيه يسعهما بيضه وفرخه ورفرف على فرخه صيانة له. ومنه قيل لله عز وجل : المهيمن ، أي الرقيب الرحيم.

قوله تعالى : { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } ؛ أي فاحكم في الزاني والزانية بالرجم ، ويقال : احكم بين بني قريظة وبني النضير في الجراحات التي بينهم في التسوية بين الفريقين ، { ولا تتبع أهوآءهم } ؛ أي لا تتبع مرادهم ، { عما جآءك من الحق }.

قوله تعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ؛ أي جعلنا لكل نبي منكم يا معشر الأنبياء فرائض وسننا ، والشرعة والشريعة : هو التخلص إلى الجنة كشريعة الأنهار والحياض في الدنيا ، وهو التخلص إلى الشرب والاستقامة ، وأصل الشرعة من قولهم : شرع فلان يشرع شروعا إذا دخل في الأمر دخولا ظاهرا ، ويقال : الشرعة والمنهاج كلاهما الطريق ، والطريق ها هنا الدين ، وقد يعبر عن الشيء الواحد بلفظين مختلفين تأكيدا للكلام.

وقال المبرد : (الشرعة : ابتداء الطريق ، والمنهاج : الطريق المستمر). ويقال : عنى المنهاج : الدلائل الواضحة التي يستدل بها على الفرائض من كتاب وسنة ، وقيل : معناه : لكل جعلنا منكم سبيلا وسنة. والمنهاج : الطريق المبين الواضح.

قال المفسرون : عنى بذلك جميع أهل الملل المختلفة ، جعل الله لكل ملة شرعة ومنهاجا ، فلأهل التوراة شريعة ، ولأهل الإنجيل شريعة ، ولأهل القرآن شريعة ، يحل فيها ما شاء ويحرم فيها ما شاء ، فالدين واحد والشريعة مختلفة.

قوله تعالى : { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة } ؛ أي لجعلكم على أمر واحد في دعوة جميع الأنبياء ، { ولاكن ليبلوكم } ؛ أي ولكن ليختبركم ، { في مآ آتاكم } ؛ فيما أعطاكم من الكتب ، وفيما أمركم من السنن والشرائع المختلفة ، فيتبين من يطيع الله ومن يعصيه.

Page 150