Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī
تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني
[29]
قوله عز وجل : { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } ؛ أي قال هابيل لقابيل : إن كنت تريد قتلي فلا ترجع عنه ، فإني أريد أن ترجع إلى الله بإثم دمي وإثم ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك ، { فتكون من أصحاب النار } ؛ في الآخرة ؛ { وذلك جزآء الظالمين } ؛ أي وذلك عقوبة من لم يرض بحكم الله.
قوله تعالى : { فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين } ؛ أي طاوعته نفسه ، وقيل : زينت له قتله فقتله. قال السدي : (لما قصد قابيل قتل هابيل أتاه في رأس جبل وهو نائم وغنمه ترعى ، فأخذ صخرة فشدخ بها رأسه فمات).
وقال الضحاك : (كان قابيل لا يدري كيف يقتله حتى جاء إبليس وبيده حية فوضعها بين حجرين ، فرضخ رأسها بالحجر وقابيل ينظر ، فلما نظر ذلك جاء إلى هابيل فلم يزل يضرب بالحجارة على رأسه حتى قتله ، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة). واختلفوا في موضع قتله ، قيل : قتل على جبل ثور. وقيل : بالبصرة.
فلما مات هابيل قصدته السباع لتأكله ، فحمله قابيل على ظهره حتى انتن ريحه ، فعكف الطيور والسباع حواليه تنتظر متى يرمي به فتأكله ، { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه } ؛ فبعث الله غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما صاحبه ، ثم حفر له بمنقاره ورجله ، ثم ألقاه في الحفيرة وواراه ، وقابيل ينتظر إليه ف ؛ { قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هاذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين }.
وعن ابن عباس قال : (لما قتل قابيل هابيل رجع إلى أبيه قبل أن يدفنه ، فلما أبطأ هابيل قال آدم عليه السلام : يا قابيل أين أخوك ؟ قال : ما رأيته ؛ وكأنني به أرسل غنمه في زرعي فأفسده ، فلعله خاف أن يجيء من أجل ذلك ، قال : وحست نفس آدم ، فبات ليلته تلك محزونا ، فلما أصبح قابيل غدا إلى ذلك الموضع ، فإذا هو بغراب يبحث في الأرض على غراب ميت ليواريه).
وقيل : بعث الله الغراب إكراما لهابيل ، وكان الغراب يحثي التراب على هابيل ليري قابيل كيف يواريه ؛ أي كيف يغطي عورته. وفي الخبر : أنه لما قتله سلبه ثيابه ، وتركه عريانا. وقيل : أراد بالسوءة جسد المقتول ، سماه سوءة لأنه لما بقي على وجه الأرض تغير ونتن ، والسوءة في اللغة : عبارة عن كل شيء مستنكر.
قوله تعالى : { فأصبح من النادمين } ؛ الخاسرين ، أي صار من المغبونين بالوزر والعقوبة. قال الكلبي : (كان قابيل أول من عصى الله في الأرض من ولد آدم ، وهو أول من يساق إلى النار).
وقال مقاتل : (كان قبل ذلك تستأنس الطيور والسباع والوحوش به ، فلما قتل قابيل نفروا ، فلحقت الطيور بالهواء ؛ والوحوش بالبرية ؛ والسباع فالفيافي وشاك الشجر ، وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه واغبرت الأرض).
Page 134