532

Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

[90]

قوله تعالى : { إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق } ؛ هذا استثناء لمن اتصل من الكفار بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق ، قال ابن عباس : (أراد بالقوم الأسلميين ، وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه على أن لا يعينوه ولا يعينوا عليه ، فمن وصل إليهم ولحق بهم بالأنساب أو بالولاء) يعني : لجأ أحد من الكفار في عهد الأسلميين على حسب ما كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش من الموادعة ؛ فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخلت بنو كنانة في عهد قريش.

قوله تعالى : { أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم } ؛ معناه : ويصلون إلى قوم جاؤكم ضاقت صدورهم أن يقاتلوكم مع قومهم ، { أو يقاتلوا قومهم } ؛ معكم وهم بنو مدلج ، { ولو شآء الله لسلطهم عليكم } ؛ لسلط قوم هلال بن عويمر ، وبني مدلج عليكم ، { فلقاتلوكم } ؛ كما قتلتموهم ظالمين لهم ، { فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم } ؛ أي فإن تركوكم فلم يقاتلوكم مع قومهم ، واستسلموا أو خضعوا بالصلح والوفاء ، { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } ؛ أي حجة في القتال وقال أهل النحو : معنى { أو جآءوكم حصرت صدورهم } أي حصرت. و(حصرت) لا يكون حالا إلا بعد ؛ قالوا : ويجوز أن يكون (حصرت صدورهم) خبرا بعد خبر ؛ كأنه قال : أو جاؤكم ، ثم أخبر بعد فقال : (حصرت صدورهم أن يقاتلوكم). وفي الشواذ : (أو جاؤكم حصرة صدورهم).

وأما اللام في { لسلطهم } فجواب { لو شاء الله } ، واللام في { فلقاتلوكم } للبدلية ، والفاء فاء عطف بمنزلة الواو.

وقد روي عن عطاء عن ابن عباس : (أن هذه الآية منسوخة بقوله{ واقتلوهم حيث وجدتموهم }[النساء : 89] بآية السيف ، هي معاهدة المشركين وموادعتهم منسوخة بقوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }[التوبة : 5]). ولأن الله تعالى أعز الإسلام وأهله ؛ فلا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف بهذه الآية ، وقد أمرنا الله تعالى في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية بقوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر }[التوبة : 29] إلى قوله تعالى : { وهم صاغرون }[التوبة : 29] فلا يجوز مداهنة الكفار وترك أحدهم على الكفر من غير جزية إذا كان بالمسلمين قوة على القتال ، وأما إذا عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على أنفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة العدو من غير جزية يؤدونها إليهم ؛ لأن حظر الموادعة كان لسبب القوة ؛ فإذا زال السبب زال الحظر.

Page 32