346

Tafsīr al-Qurʾān al-ʿAẓīm al-mansūb liʾl-Imām al-Ṭabarānī

تفسير القرآن العظيم المنسوب للإمام الطبراني

[96]

قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } ؛ قال مجاهد : (تفاخر المسلمون واليهود ؛ فقالت اليهود : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة ؛ لأنها مهاجر الأنبياء وهي الأرض المقدسة ، وقال المسلمون : بل الكعبة أفضل ، فأنزل الله هذه الآية : { إن أول بيت وضع للناس }. وقرأ ابن السميقع : (وضع) بفتح الواو والضاد بمعنى وضعه الله. { للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين }{ فيه ءايات بينات مقام إبراهيم }[آل عمران : 97] ؛ وليس ذلك بيت المقدس ، وكتب على الناس حج البيت وليس ذلك بيت المقدس.

واختلفوا في قوله تعالى : { إن أول بيت وضع للناس } ؛ قال بعضهم : هو أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الله السموات والأرض ، خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام ، وكان ربوة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته ، وهذا قول ابن عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل : معناه : أول بيت بناه آدم في الأرض ، قاله ابن عباس. وقال الضحاك : (معناه : أول بيت وضع فيه البركة واختير من الفردوس الأعلى).

وقيل : هو أول بيت جعل قبلة للمسلمين. وعن أبي ذر قال : " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع للناس ، فقال : " المسجد الحرام ؛ ثم بيت المقدس " فقيل له : كم بينهما ؟ قال : " أربعون عاما ".

وقال الحسن : (معناه : إن أول بيت وضع لعبادة الناس على وجه الأرض الكعبة ؛ بناها إبراهيم عليه السلام كما قال تعالى : { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت }[الحج : 26]. وأما بناء بيت المقدس فقد كان بعد الكعبة بدهر طويل ؛ بناه سليمان بن داود عليهما السلام).

قال الكلبي : (كان آدم عليه السلام حين أخرج من الجنة بنى الكعبة فطاف بها ، فلما كان في زمن طوفان نوح عليه السلام رفعها الله إلى السماء السادسة بحيال موضع الكعبة ؛ وهي البيت المعمور يقال له الضراح ؛ يدخله كل يوم سبعون ألف ملك). وروي أن الله تعالى أنزل الكعبة من السماء وهي من ياقوتة حمراء ، وكانت الملائكة تحجها قبل آدم عليه السلام ، فلما كثرت الخطايا رفعها الله تعالى.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الكعبة كانت خشعة على وجه الماء فدحيت الأرض من تحتها " والخشعة : مثل الصبرة متواضعة.

قوله تعالى : { ببكة } ، قال الضحاك : (هي مكة ، والعرب تعاقب بين الباء والميم فتقول : ضربة لأزب ، وضربة لازم). وقال ابن شهاب : (بكة المسجد والبيت ، ومكة الحرم كله) ومثله قال الزهري. وسمي المسجد بكة ؛ لأن البك هو الرحمة ، في اللغة يقال : بكه إذا رحمه. وسمي المسجد بكا لأن الناس يتباكون فيه ؛ أي يزدحمون للطواف. وقال أبو عبيد : (بكة اسم لبطن مكة ، ومكة لما بقي).

Page 346