Dirāsāt fī al-fann al-ṣaḥafī
دراسات في الفن الصحفي
Publisher
مكتبة الأنجلو المصرية
Edition
-
•
Regions
Nigeria
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
ظهرت في السنوات الأخيرة كتب عديدة تناولت بالبحث تاريخ الصحافة، وتطور الصحف، وعلاقة هذا التطور بالظروف السياسية والاجتماعية. ولكن عددا قليلا من هذه الكتب هو الذي اهتم بالصحافة كفن. وقد رأيت أن أجعل "الفن الصحفي" موضوعا لدراسة عميقة تبدأ بتعريف هذا الفن، وعرض خصائصه ومميزاته، ثم بيان قوالبه المختلفة، وأنماطه المتعددة من خبر إلى تقرير إلى مقال إلى عمود إلى تحقيق صحفي إلى حديث.
غير أن الفن الصحفي لا يقتصر على التحرير وحده، وإنما تلعب الصور والرسوم البيانية والكاريكاتورية والعناوين المنتشرة على عرض الصفحات، والعناوين الفرعية، فضلا عن الألوان وفنون الإعلان دورا هاما في إبراز الأفكار وتجسيدها، وتحويل المعلومات المجردة إلى معلومات ملموسة مجسدة. فإذا كانت النشرات العلمية، مثلا، تعنى بالجوانب الأكاديمية والنواحي النظرية من البحوث والدراسات، مما يخص العلماء والخبراء، فإن الفن الصحفي هو الذي يستطيع -بالتبسيط والتفسير والتجسيد والتشويق وجذب الانتباه- أن يعرض النظريات العلمية والدراسات الأكاديمية بأسلوب جديد شيق، يفهمه عامة الناس.
فجوهر الفن الصحفي هو الإعلام ورواية الأحداث وتفسيرها، ثم توجيه الجماهير وإرشادها، فضلا عن امتاعها وتسليتها، وذلك باستخدام الأشكال والفنون الطباعية المختلفة. ولكن بيت القصيد في كل فن صحفي يكمن في ارتباطه
1 / 3
بالجمهور. ولذلك كانت أهم خصائص الفن الصحفي معالجة الأمور الصعبة بأسلوب سهل، وتفسير الانجازات العظيمة بعبارات سلسة بسيطة.
ولكن، كيف يفعل الصحفي ذلك؟
هذا هو موضوع الكتاب الذي بين يديك. وفيه نحاول تقديم الفن الصحفي كوسيلة إعلامية من خلال الكلمة والصورة والعنوان والرسم، وعلاقة الشكل بالمضمون، مع بيان كيفية التجسيد والتبسيط التي يقوم بها الصحفي، والوسائل التي تساعده على ذلك.
ولا بد في البداية من شرح أهداف الفن الصحفي وعلاقته بالمجتمع لمعرفة الوظائف والأغراض التي ينهض لتحقيقها، ثم نتناول بعد ذلك فنون التحرير المختلفة كإعداد للمضمون، ثم فنون الإخراج المختلفة كإعداد للشكل الذي لا يمكن فصله عن المضمون.
إن الفن الصحفي في حقيقة الأمر هو الفن الإعلامي الكلاسيكي الذي تعلمت منه سائر الفنون الإعلامية الأخرى كالإذاعة والتليفزيون والسينما. فما أنجزه الفن الصحفي عبر القرون الطويلة منذ اخترع جوتنبرج المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر حتى الآن من استخدام للحروف والخطوط والرسوم والأشكال والصور لعرض الفكر الإنساني وتبسيطه للجماهير، كان الصيغة الأساسية التي بنت عليها الإذاعة فنها المرتبط بالموسيقى والكلمة المسموعة والمؤثرات الصوتية، وكذلك التليفزيون بالصورة المرئية المتحركة المقترنة بالصوت والموسيقى، كما فعلت السينما نفس الشيء على شاشتها الكبيرة.
فالفن الصحفي -إذن- هو فن الإعلام الكلاسيكي، الذي اشتقت منه سائر فنون الإعلام الأخرى أشكالها وفنونها وأساليبها طرائقها. فالنشرات الإخبارية، والتعليقات، والندوات، والتحقيقات والصور والإعلانات والجوانب القصصية والدرامية، تشترك جميعا في الفنون الإعلامية المختلفة، ولكنها ترتكز أساسا على خبرة الفن الصحفي الطويلة والمتنوعة.
1 / 4
فالذي يميز الفن الصحفي عن سائر الفنون هو ارتباطه الوثيق بالجماهير فضلا عن عموميته، ودوريته، وعلى هذا الأساس يسعى الفنان الصحفي إلى تحويل الفكر الأكاديمي المجرد إلى عرض فني منسق يستسيغه الجمهور دون أن يهبط إلى مستوى الإسفاف والمبالغة، وهذه هي المعادلة الصعبة أو التحدي العظيم الذي يواجه الفن الصحفي الحديث.
وإني إذ أقدم هذه الدراسة للقارئ العربي أرجو أن يجد فيها معالجة جديدة للفن الصحفي. والله الموفق.
يناير سنة ١٩٧٢.
دكتور إبراهيم إمام
1 / 5
الباب الأول: ماهية الفن الصحفي
مدخل
...
الباب الأول: ماهية الفن الصحفي
الفن الصحفي فن حضاري بالضرورة. إذا كان الشعر، مثلا، يزكو ويزدهر في البيئة البدوية، حيث تسود الحضارة الشفوية، فإن الفن الصحفي، على العكس من ذلك، فن يتصل بأسباب التحضر، وينتشر أكثر ما ينتشر في المدن. فالبيئة القروية أو القبلية المحدودة تكتسب فيها المعرفة بالتجربة المباشرة والشخصية؛ لأنه إذا كان جميع أفراد مجتمع من المجتمعات معدين ليفهموا بالتجربة المباشرة ما يجري من أحداث فإن الطرق العادية للاتصال الشخصي تكفي لنشر الأخبار في هذا المجتمع، ولا يحتاج الأمر لأي وسيلة من وسائل الإعلام الحديثة.
ولكن المجتمع الذي يزداد نموه، وتتنوع تخصصاته، وتتعقد مشكلاته، لا يلبث أن يجد وسيلة الفن الصحفي ضرورة حتمية، تبعد كل البعد عن الخبرة الفردية المباشرة. ثم لا يلبث هذا المجتمع المتحضر أن تظهر فيه علوم وفنون وتخصصات بالغة التجريد والتعقيد، فيصبح الفن الصحفي حلا لصياغة المعرفة بطريقة عملية واقعية. وهكذا يكون الصحفي وسيطا اجتماعيا بين الخبير المتخصص من ناحية ورجل الشارع أو الرجل العادي من ناحية أخرى. وفي هذا الصدد يقول الكاتب الأمريكي المشهور والتر لبمان١:
"إن المجتمع الحديث لا يقع في مجال الرؤية المباشرة لأحد، كما أنه غير مفهوم على الدوام، وإذا فهمه فريق من الناس، فإن فريقا آخر لا يفهمه". وهكذا يأتي الفن الصحفي للشرح والتفسير والتكامل.
١ walter lippmann، public opinion "١٩٩٢" pp. ٢٩-٨١.
1 / 7
فالفن الصحفي، إذن، هو فن حضاري، يرتبط بالتقدم العلمي، ويتطلب انتشار التعليم، لكي يجعل المجالات البعيدة والمعقدة في متناول الجمهور. والصحفي الناجح في المجتمع الحديث هو الذي يتقن مهارة الاتصال من خلال نشر الأخبار والتعليق عليها وتفسيرها، وتبسيط المعلومات وتجسيدها، وتقديم صور العالم وأحداثه بشكل واضح ومجسد ودرامي، وفي أشكال خالية من التجريد أو الأكاديمية أو التعقيد.
ولا شك أن التقدم العلمي والتكنولوجي، ومد خطوط المواصلات كالسكك الحديدية، وتمهيد الطرق، وإنشاء خطوط الاتصال التليفونية والتلغرافية واللاسلكية تؤدي بالضرورة إلى تهيئة الجو الملائم لازدهار الصحافة، ويعتبر انتشار التعليم من أهم العوامل المشجعة للفن الصحفيِ، وبدونه لا يمكن للصحافة أن تقوم لها قائمة.
بين الصحافة والتحضر:
وقد قام كثير من العلماء بدراسة العلاقة بين التحضر والفن الصحفي، وتحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والحضارية المؤثرة على الصحافة، نذكر منهم على سبيل المثال ريموند نيكسون١، وللبر شرام٢، ولازر سفيلد٣، غير أن أشهر هؤلاء جميعا دانيل ليرنر٤، الذي بدأ دراسة ميدانية في العامين ١٩٥٠ و١٩٥١ بستة دول من منطقة الشرق الأوسط هي: مصر وتركيا وسوريا ولبنان والأردن وإيران. وقد تضمنت هذه الدراسة أجراء مقابلات مع نحو ١٦٠٠ شخص، لمعرفة أثر تعرض الأفراد للفن الصحفي، وما يترتب عليه من تكوين اتجاهات نفسية معينة.
ويرى ليرنر أن التحضر اتجاه عقلي لا يتحقق إلا في المجتمعات المتطورة. ويقول أن هناك علاقة وثيقة بين التحضر والتعليم والصحافة، فالانتقال إلى المدن
١ RAYMOND B. NIXON.
٢ WIBUR SCHRAMM.
٣ LAZERSFELD.
٤ DANIEL LERNER.
1 / 8
يزيد من نسبة المتعلمين، وهذه الأخيرة تعني نسبة عالية ممن يقرءون الصحف، كما أن قراءة الصحف تؤدي إلى فهم أفضل للمجتمع، ومشاركة فعالة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
فالانتقال إلى المجتمع الحضري يأتي في المرحلة الأولى، وفي نطاق المدن تنشأ المدارس والمعاهد، وتمحى الأمية، فيتهيأ الجو لظهور الصحافة، ثم لا يلبث الفن الصحفي نفسه، بما له من قدرة على التبسيط والشرح والتجسيد، أن يضع في متناول الجماهير مفاهيم المجتمع الحديث. فهنا يتعاون المندوب مع المحرر مع المراجع والخطاط والرسام والمصور والمخرج الصحفي لتحويل المعرفة المجردة إلى معلومات مجسدة، والنظريات الأكاديمية إلى معلومات حية، والأفكار العامة إلى موضوعات شيقة جذابة.
ويقول ليرنر أنه حينما تصل نسبة الذين يعيشون في المدن إلى ١٠% تزداد نسبة المتعلمين بشكل محسوس لأن تطور التعليم بعد ارتفاع نسبة المقيمين في المدن ١٠% يصبح اقتصاديا. وحين تصل نسبة التعليم إلى ٢٥% تصبح أداة الاتصال في المجتمع هي الصحافة التي تؤثر بدورها على المجتمع وعلى الشخصية الإنسانية التي تتميز بالمرونة والقدرة على التصور أو التقمص الوجداني، وهذه القدرة من أهم مميزات المجتمع المتحضر -في نظر ليرنر.
فالمجتمع التقليدي البدائي يتسم بالجمود والانعزال والتمزق. جماعاته صغيرة، وقراه منعزلة، أجزاؤه متباعدة، أفراده بسطاء، وإدراكهم محدود. فهم لا يصلون إلى المعرفة إلا عن طريق التجربة المباشرة الملموسة. ولا يتصورون الانتماء إلى أمة كبيرة، وإنما يحسون بالانتماء إلى الأسرة أو القبيلة أو القرية.
والصحافة كقوة حضارية، تخلق هذه الشخصية الجديدة المرنة، القادرة على التخيل والتحرك الوجداني، ولا تلبث هذه الشخصية أن تصبح دليلا على التطور والتقدم. ولا شك أن الفن الصحفي هو فن بصري بالدرجة الأولى؛ لأنه فن قائم على قراءة الكلمة المطبوعة ومشاهدة العناوين والصور والألوان
1 / 9
والإعلانات، ولا يمكن للأميين أن يشاركوا في حضارة القن الصحفي، ولكن التحضر والتعليم يهيئان الفرصة لظهور الصحافة، التي تعمل على نشر المعلومات بين كافة الناس.
وهناك معامل ارتباط إيجابي مرتفع بين التعليم وارتفاع توزيع الصحف اليومية كما يتضح من الجدول التالي:
ففي حين لا تحتاج مشاهدة الفيلم السينمائي إلى نسبة عالية من المتعلمين، نجد أن الصحافة تحتاج إلى نسبة عالية من المتعلمين، كما أن هناك معامل ارتباط إيجابي مرتفع بين التحضر والصحافة. والحقيقة أن الصحافة تعمل كقوة دافعة لزيادة التمثيل الشعبي والمشاركة السياسية، والمساهمة الاقتصادية، والوحدة الفكرية، والإحساس بالانتماء إلى الأمة، وخلق الرأي العام، على أنه ينبغي أن نؤكد العلاقة المتبادلة بين الصحافة والتحضر فكلاهما مؤثر في الآخر ومتأثر به.
1 / 10
ماهية الفن الصحفي:
ونحن نذهب إلى أن هناك فرقا بين الصحافة والفن الصحفي. فالصحافة هي النشر عن طريق الوسائل المطبوعة دوريا بصرف النظر عن استخدام الفن الصحفي، فهناك صحف لا يتوفر فيها الفن الصحفي، في حين أننا قد نجد كتبا تتوفر فيها أصول الفن الصحفي، وخاصة تلك الكتب الدورية التي تصدرها دور النشر لتبسيط العلوم الحديثة، أو لتقديم الفنون والمدارس الفلسفية المعاصرة. بل إن الفن الصحفي نفسه قد أثر على بعض الدارسين والباحثين الذين أخذوا في السنوات الأخيرة يقدمون ثمرات أفكارهم بطرق حديثة، تتميز بالطابع الذي يتميز به الفن الصحفي من معالجة تفسيرية واضحة تعززها الصور والرسوم الإيضاحية، فضلا عن التجسيد الفني والمسرحة والتكرار، واختيار الكلمات ذات الشحنة التأثيرية، فضلا عن الحيل البلاغية الجديدة التي تنم عن الواقعية والحيوية والمشاركة.
إن بحثا أكاديميا أو علميا جادا، بمصطلاحات العلم المجردة، أساليب التعبير الأكاديمية، وطرق الاستدلال المنطقية، لا يعتبر من الفن الصحفي في شيء، حتى لو نشر في صحيفة سيارة ذات توزيع مرتفع، ولكن عندما يأتي الفنان الصحفي، ويأخذ هذا البحث الأكاديمي المجرد، ليعالجه علاجا جديدا بالتبسيط والتجسيد والتصوير، والتشبيه الواقعي الحي، مستعينا بفنون الإخراج الصحفي من عناوين وصور ورسوم وكاريكاتور، وأهم من ذلك كله لغة واقعية خالية من التعقيدات المجردة، فيصح القول بأن هذه هي بداية الفن الصحفي.
وهكذا يمكن اعتبار الفن الصحفي رؤية جديدة للعالم، تنطبق مع رؤية الشخص العادي. بمعنى أن الفنان الصحفي يترجم المصطلحات الجامدة المجردة المعقدة إلى مصطلحات الواقع العملي النابض بالحياة. وهنا نجد أن الفن الصحفي فن ابتكاري بكل معنى الكلمة. فالسؤال الذي يطرحه الفنان الصحفي دائما هو: كيف يمكن أن تصل هذه المعلومات إلى الجمهور بطريقة مفهومة مستساغة؟ ولقد عولجت الكثير من المدارس الفنية والفلسفية والعلمية الحديثة رغم صعوبتها -كالمنطق الوضعي والوجودية والنسبية والتكعيبية- بمصطلحات الفن الصحفي، فأمكن نشرها بين الجماهير. ومع ذلك، فإن الفن الصحفي كثيرا ما يهدد الأفكار الجادة بالمبالغة والتشويه، عندما يغالي الفنان الصحفي في أسلوبه وطريقته.
فإذا أقحمت المسرحة أو الدراما على النص دون مبرر، أو إذا أمعن الفنان الصحفي في الإثارة والتسلية والمفاجأة، فإنه قد ينزلق من الإيضاح إلى التشويه، ومن التفسير إلى ارتجال مضمون مختلف، ولذلك فإننا قلما نجد الخبراء والعلماء راضين عن المعالجة الصحفية، مهما كانت فذة، وذلك رغم الجهود المضنية التي
1 / 11
يبذلها الفن الصحفي من أجل إزاحة التراب عن التراث القديم وتقديمه بأسلوب شيق بديع، أو إزالة التعقيد عن الدراسات الجادة الحديثة، وتبسيطها للجماهير بمصطلحات عادية مفهومة، إن الفن الصحفي، في يد المبتدئ، قد يؤدي إلى ضياع الفكرة الأصلية، بحجة أن الكاتب يحاول تقديم فكرة أحدث، أو إجراء تحسينات أفضل. ولكن الفن الصحفي الناضج هو الذي يبسط دون تشويه، ويجسد دون مبالغة، ويصور دون مغالاة، ويحدث الجماهير دون إسفاف.
والاتجاه الحديث في الفن الصحفي يتمثل مثلا في صحف الشرح وتفسير الأخبار وخاصة المجلات الأسبوعية على غرار تايم١، ونيوزويك٢، ودير شبيجل٣، وكذلك المجلات المصورة مثل لايف٤، ولوك٥، وباري ماتش، كما يتضح الفن الصحفي في المجلات الثقافية على غرار ريدرز دايجست٦ الشهرية. بل إننا لا نبالغ إذا قلنا أن هناك صناعة نشر جديدة في جميع أنحاء العالم المتحضر تقوم على أساس الفن الصحفي في تبسيط العلوم والفنون والآداب. وقد بلغ الاهتمام باستخدام الفن الصحفي في نشر التراث القديم، والكتب الجديدة حدا بالغ الأهمية، حتى إن العالم الأمريكي ستيفنسون٧ يفسر الفن الصحفي على أنه نوع من الامتاع أو اللهو الذي يشعر فيه القارئ بالاستغراق. وقد بنى ستيفنسون نظريته على أساس بحوث العالم الهولندي هوزنجا٨ مؤكدا أن الأحداث السياسية تقدم بطريقة قصصية أو مسرحية، وكذلك أخبار الجريمة، وأنباء الفضاء، والحرب والسلام.
١ TIME.
٢ NEWSWEEK.
٣ DER SPIEGEL.
٤ LIFE.
٥ LOOK.
٦ READER.htm'S DIGEST.
٧ STEPHENSON.
٨ HAIZINGA.
1 / 12
مراحل التطور الصحفي:
وقد وجدنا من مجمل دراساتنا للصحافة العالمية أن الفن الصحفي بالمعنى الذي نذكره لم يبدأ مع ظهور الصحافة، ولكن الفن الصحفي قد أخذ في الظهور حوالي منتصف القرن التاسع عشر، عندما بدأت الظروف المواتية لذلك. فقد لاحظنا أن للتطور الصحفي إيقاعا محددا في تطوره عبر التاريخ. فالصحافة تبدأ رسمية تتحدث باسم السلطات الحاكمة، ثم لا تلبث أن تتطور مع ظهور الطبقة البرجوازية لخدمة الأغراض المالية والاقتصادية والرأسمالية مباشرة. ولكنها لا تلبث أن تقع في أيدي الأحزاب السياسية المتطاحنة فتصبح لسان حالها وعالة عليها. وفي جميع هذه المراحل، يتطور الفن الصحفي حتى يصل إلى مرحلة النضج والاستواء.
فعندما تستقل الصحافة كمشروعات إعلامية، بعيدا عن سلطة الحكومة المباشرة، وبعيدا عن سيطرة الأحزاب، يبدأ اعتماد أصحاب المشروعات على الفن الصحفي للترويج والإمتاع وجذب الأنظار والتشويق والإعلام والتفسير، بل والتسويق عن طريق الإعلانات، التي تشكل نسبة عالية من الإيرادات، وقد تصل إلى ٧٠% أو أكثر، كما تعتمد على التوزيع الجماهيري الضخم الذي يستجلب الإعلانات. وهنا تبدأ سعة الانتشار والجماهيرية والعمومية في خلق الجو المناسب للفن الصحفي الجديد، في بيئة حضرية، بل قد تكون بيئة صناعية، تتوفر فيها أسباب التقدم العلمي والتفوق التكنولوجي اللازمين لازدهار الصحافة الحديثة.
ثم يظهر خطر الانزلاق إلى الصحافة الصفراء، صحافة نشر أخبار الجريمة والعنف والجنس والإثارة. وتقع الصحف فريسة للاحتكارات الكبرى، وتستغل استغلالا اقتصاديا، دون ما نظر لخطورة تأثيرها على وجدان الأمة ونفسية الجماهير. وربما يكون الحل أحيانا هو تأميم الصحافة كما حدث في بعض الدول الاشتراكية، أو تنظيمها كما حدث في مصر سنة ١٩٦٠. ومع ذلك فإن سعة الانتشار والجماهيرية ومحاولة الوصول إلى فئات الشعب المتعددة، والتأثير في الرأي العام، ثم شعبية الثقافة وجماهيريتها، فضلا عن الإيمان بالقيم الديمقراطية -كل هذه عوامل بناءة لنشأة الفن الصحفي الحديث.
1 / 13