Sinima Wa Falsafa
السينما والفلسفة: ماذا تقدم إحداهما للأخرى
Genres
القاتلان الشابان، وهما وحشان واقعيان من الطراز الأول، مخلوقان يثيران الاهتمام؛ فهما مهذبان، يجيدان التحدث، وعادة ما يتحدثان بهدوء. أحدهما يدعى بول، وهو وسيم وفائق الذكاء، بينما يتظاهر الآخر - المدعو بيتر - بالغباء. إنهما مزيج يصعب وجوده من الشباب حسني التربية والبلطجية والجلادين الساديين والقتلة الساعين وراء الإثارة. في مشهد محوري (الدقائق من 37 حتى 39 من الساعة الأولى)، يسخر بول من فكرة وجود أي تفسير لسلوكهما المضطرب نفسيا. ويذكر عابثا مجموعة متنوعة من التفسيرات الملفقة؛ مثل عيش طفولة معذبة بسبب طلاق الأبوين، أو الترعرع في منزل فاسد، أو إدمان المخدرات. القاتلان هما كما يبدو: قاسيان على نحو يتعذر تفسيره، يستمتعان بما يمارسانه من ترهيب، وبالألعاب التي يمارسانها، دون أدنى تردد. إنهما يستمتعان على ما يبدو بالترهيب أكثر من استمتاعهما بالقتل؛ إذ يرتكبان جريمة القتل الأخيرة (الدقيقة 40 من الساعة الثانية) على نحو روتيني للغاية دون اكتراث تقريبا.
وفي مقابل الألعاب المسلية التي يمارسها القاتلان يلعب المخرج، مايكل هانيكه، بدوره ألعابا مع المشاهدين. ثمة نوعان من الألعاب؛ هما التلاعب المثير للأعصاب بالتوقعات المرتبطة بهذا النوع السينمائي، إلى جانب إشعار المشاهدين بالتواطؤ مع الأحداث. فلنتأمل الأساليب التي يوظفها الفيلم لتحدي التوقعات المرتبطة بنوع الرعب السينمائي؛ أولا: الأحداث التوضيحية المحورية لا تصورها الكاميرا، أو تصورها على نحو روتيني. فجرائم القتل كلها - باستثناء الأخيرة - تحدث خارج الكادر، والجريمة الأخيرة، إغراق آنا في الخليج، تؤدى على نحو يجردها تماما من أي أهمية، فهي ليست سوى نهاية اللعبة، لا الهدف منها (الدقيقة 40 من الساعة الثانية). ثانيا: لا يوجد ناجون في الفيلم، فلا ينجو في نهايته فتاة أو رجل أو امرأة أو صبي. (في عام 1997 جسدت هذه التقنية تحديا لقواعد هذا النوع السينمائي أكثر مما أصبحت عليه بعد عشر سنوات.) ثالثا: صورت الأحداث بأسلوب متقشف وصارم، «الأسلوب الفني الأوروبي»، لا يمت بصلة لأسلوب الرعب المعتاد. يتضمن هذا الأسلوب عندما يستخدمه هانيكه غيابا تاما للموسيقى التصويرية (باستثناء الدوي الصاخب لأغنية جون زورن «الأحمق والمدمر» المصاحبة لتترات بداية الفيلم ونهايته). هذا بالإضافة إلى توظيف للقطات الطويلة جدا، معظمها لقطات متوسطة، وتقليل المونتاج إلى الحد الأدنى مع تحرك محدود جدا للكاميرا. توظف معظم أفلام الرعب آليات أكثر تعقيدا بكثير من المونتاج وحركة الكاميرا، تميل تأثيراتها إلى إغواء الجمهور نحو الاستسلام لتجربة مشاهدة مريحة. لكن الأسلوب المتقشف الذي يفضله هانيكه يميل إلى توليد مشاهدة أكثر قابلية للتأمل عبر منح المشاهدين فيضا من الفرص داخل المشاهد لملاحظة رد فعلهم على الأحداث وتأمله؛ ومن ثم لا ينسى المتفرج نفسه بينما يشاهد فيلما صور بهذا الأسلوب، وذلك - إلى حد كبير - جزء من استراتيجية هانيكه الفنية.
تتجلى استراتيجية هانيكه في المشهد الذروي بالقرب من نهاية الفيلم، والذي يجسد أسلوبا رابعا يستخدمه لنبذ الأعراف السائدة فيما يتعلق بالرعب. فيتخلى الفيلم عن نهجه الواقعي كليا في هذا المشهد. في الدقيقة 35 من الساعة الثانية تتمكن آنا من الاستحواذ على بندقية الرش وإطلاق النار على بيتر، ونرى جسده يطير إلى الخلف مصطدما بالحائط، ويسقط غارقا في دمائه. يندفع بول إثر ذلك في ذعر بحثا عن جهاز التحكم في التليفزيون عن بعد، ويضغط على زر الإرجاع، فنرى أحداث الفيلم ذاته ترجع إلى الخلف أمام أعيننا حتى تتوقف عند مشهد يسبق إطلاق النار مباشرة، وعند تلك اللحظة يضغط بول على زر التشغيل وتستأنف الأحداث. وعندما تحاول آنا انتزاع البندقية تجهض محاولتها بسهولة (فبول يعرف ما سيحدث). ما مغزى هذا المشهد؟ يحاول هانيكه إثارة سخط مشاهدي الفيلم (في حال تبقى أحد منهم) عبر الإثبات بطرق لا تقبل الشك أن الأحداث - بما تتضمنه من ألعاب سادية وإذلال وقتل - قد أعدت سينمائيا من أجل ما تبعث عليه من متعة وتسلية.
الهدف هنا هو تفتيح أعين المشاهدين على حقيقة أنهم يشاهدون عرضا شائها مقززا للعنف لا لغرض سوى التسلية، وأنهم متواطئون فيما يعرض على الشاشة من عنف لأنه قد صور لأجلهم. إن الفيلم هو اتهام موجه للجمهور (سوف نتناول هذه الفكرة الرئيسية في الجزء التالي). ويشدد الفيلم على تواطئنا كجمهور من خلال النوع الآخر من الألعاب التي يمارسها هانيكه معنا؛ إذ يخرق قالب الدراما الواقعية عبر جعل بول يخاطب الكاميرا في أجزاء متعددة. في الدقيقة 29 يوجه بول آنا نحو اكتشاف جثة كلب العائلة، رولفي، الذي قتله بيتر. يلعب بيتر مع آنا لعبة الأطفال «العثور على الغرض المخبأ»، وفي اللحظة التي تصبح فيها «على وشك إيجاده» يلتفت بول ناحية الكاميرا ويغمز بعينيه. في البداية يساورنا الشك فيما رأيناه، لكنه يبدو وكأنه يغمز لنا، إذن نحن مشاركون في اللعبة. في الدقيقة 40، يخاطب بول الكاميرا مباشرة. لقد عقد لتوه رهنا (من جانب واحد) مع العائلة؛ هو يراهن على أنهم سيغادرون الحياة قبل حلول الساعة التاسعة من صباح اليوم التالي، وعليهم المراهنة على أنهم سينجون. في هذه اللحظة يلتفت إلى الكاميرا قائلا: «ما رأيكم؟ أتظنون أن أمامهم فرصة؟ أنتم تدعمونهم، أليس كذلك؟ على من تراهنون؟» (الدقيقة 40)
وبالقرب من نهاية الفيلم، ينزع بول الكمامة من فم آنا، مخاطبا الجمهور على نحو غير مباشر: «من الممل أن تعاني وهي بكماء، نحن نرغب في تسلية جمهورنا، أليس كذلك؟ نريد أن نريهم ما نقدر على فعله» (الدقيقة 28 من الساعة الثانية).
تخرق هذه النماذج من مخاطبة الكاميرا ما يطلق عليه عادة «الحائط الرابع»؛ إذ تعامل المشاهدين كما لو كانوا حاضرين داخل الأحداث، لا مختبئين في أمان داخل قاعة السينما المظلمة. وهي تدمر الراحة التلصصية للمشاهدة السينمائية عبر جعلنا واعين بما نمارسه من تلصص شبقي. يستخدم هانيكه هذه التقنية استخداما فعالا لأنه استخدام محدود؛ إذ يقتصر استخدامها على أربعة مواقف فحسب، إذا احتسبنا الاستخدام غير المباشر في الدقيقة 28 من الساعة الثانية. الاستخدام المفرط لهذه التقنية كان سيجعل الجمهور يفصلون بين تجربة مشاهدة «ألعاب مسلية» وتجربة مشاهدة الرعب الواقعي عموما. وفي تلك الحالة من المرجح أن يستقبل الجمهور الفيلم باعتباره فيلما فنيا غريبا لا يكاد يمت لتجربة المشاهدة السينمائية المعتادة بصلة. من المهم ملاحظة أن فيلم هانيكه، على الرغم من كل ما يشتمل عليه من خروقات لقواعد الرعب الواقعي المتفق عليها، فإنه ينتمي بجدارة إلى نوع الرعب الواقعي بما أنه يروع جمهوره بهدف تشجيعهم على تأمل الرعب الواقعي كنوع فني. وهي مهمة ينجح في تحقيقها دون شك. إنه يعتبر درسا لا يضاهى في الحفاظ على توتر المشاهدين واستحضار استجابة رعب تجمد الدماء في عروقهم.
هل سينجح أي مما عرضناه من نظريات متنافسة حول متع الرعب الفني في تفسير نموذج «ألعاب مسلية»؟ سوف نطرح فيما يلي افتراضين حول الاستجابة المعتادة التي قد يبديها الجمهور حيال الفيلم. أولا الفيلم مثير، ويحافظ على تشويقه السردي على الأقل حتى مشهد إرجاع الأحداث قرب نهايته (وهي المرحلة التي تدمر فيها القصة عمدا). قد يغادر الناس قاعة السينما قبل هذا المشهد، لأسباب لا ترجع على الأرجح إلى مللهم منه. ثانيا مشاهدة الفيلم تجربة كريهة حقا على الأقل منذ الدقيقة 44 فصاعدا (أي بدءا من مشهد لعبة القطة في الحقيبة). وحتى من منظور هواة أفلام الرعب المخضرمين، من الصعب الشعور بأي متعة حقيقية من مشاهدة الفيلم عقب هذه المرحلة، رغما عن كونه مثيرا إلى أقصى حد، بطريقته البغيضة المنفرة. إذا كان هذان الافتراضان صحيحين، فنظرية كارول السردية، بما أضفنا عليها من تطورات، تواجه مشكلة حقيقية. فها نحن نواجه فيلما يشتمل على جميع المكونات السردية اللازمة لصنع فيلم رعب واقعي من الطراز الأول؛ إذ يحوي وحوشا واقعية تعكس مزيجا مشوقا ومحيرا من الطبائع الإنسانية والحيوانية، وراويا متمكنا يقينا من الحفاظ على تشويق الفيلم؛ أي الحاجة القوية لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك. يحقق الفيلم نجاحا استثنائيا على المستوى السردي طوال مدته تقريبا، لكنه يخفق في توليد المتع المتوقعة من مشاهدة الرعب الفني. بل يخرب تلك المتع. والاستنتاج الجلي الذي نستخلصه من هذا النموذج هو أن المتع الأساسية للرعب الفني لا تكمن في الواقع في التلقي المعرفي للسرد.
ماذا فعل الفيلم إذن كي يحرم جمهوره من متع الرعب الفني؟ ربما يمدنا الإطار التحليلي النفسي بإجابة عن ذلك. تذكر أنه وفقا لهذا الإطار يتطلب صعود المكبوت إلى السطح نمطا من المشاهدة يخفي الطبيعة الحقيقية لتجارب الإشباع المنحرفة التي يخوضها المشاهدون؛ ومن ثم يسمح لهم باكتساب المتعة من تلك التجارب. لكن «ألعاب مسلية» يحرم مشاهديه من سبل التمتع بمشاهدة الرعب. ويحقق هذا عبر طريقتين أساسيتين. أولا يجعل الفيلم المشاهدين، في عدة نقاط محورية، واعين وعيا ذاتيا بما يمارسونه من مشاهدة متلصصة شبقة. ويعامل الجمهور كما لو كان جزءا من الأحداث، ومن خلال ذلك يمحو إحساس الراحة الناتج عن نسيان المشاهد لنفسه في خضم سلسلة من التجسيدات المصورة التي «تحيط» به. يجبر الفيلم المشاهدين على الإحساس بأنهم متواطئون فيما يحدث لأنه يوضح لهم بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الأحداث قد رتبت من أجل إمتاعهم. ثانيا: يحرمهم من جميع المتع المرتبطة بهذا النوع الفني عبر عرض عواقب العنف عرضا دقيقا وقويا وباردا. ويجسد المشهد التالي لحادث قتل الصبي، الذي ناقشناه بالأعلى، أوضح نموذج على ذلك (الدقائق من 3 إلى 12 في الساعة الثانية). أي فيلم رعب عادي كان سينتقل سريعا إلى الأحداث التالية بعد تصوير جريمة كتلك. لكن هانيكه يجعلنا نشاهد رد فعل الأبوين المصدومين لمدة طويلة إلى حد مروع. والمشهد نفسه واقعي لدرجة لا تطاق؛ ومن ثم، يتسبب قتل الطفل في كسر الميثاق الخفي لحالات الموت في أفلام الرعب، والذي ينص على أنها ليست أحداثا مفجعة، بل أحداثا في عالم خيالي، عالم يسمح للخيالات فيه بأن تتحقق دون تدخل الواقع. يلجأ هانيكه كذلك إلى طرق أخرى لحرمان جمهوره من متع هذا النوع السينمائي. فسلبية العائلة - لا سيما الأب الكسيح، جورج، الذي كسر القتلة ساقه - تحرم الجمهور من فرصة التوحد معهم بقوة؛ ومن ثم يصبح من الصعب عليهم الحفاظ على إحساس التوحد الماسوشي، وهو أحد أكثر مصادر المتعة التي يعول عليها في مجال مشاهدة الرعب. لكن سلبية العائلة لا تعبر عن أي نوع من أنواع التواطؤ مع الاعتداء الواقع عليها؛ فأفرادها يتعرضون عراة للتعذيب، ويحرمون من الموارد التي تمكنهم من المشاركة الحقيقية في الألعاب، ما يصعب على الجمهور أن يستمتعوا بإظهار البراعة السادية لدى القتلة. فلتقارن على سبيل المثال «ألعاب مسلية» بسلسلة أفلام «الأحجية» (سو). على مدار سلسلة الأفلام تلك، نجد ضحايا التعذيب ضالعين في تعديات أخلاقية، تكون خطيرة حقا في بعض الأحيان، ما يجيز لنا نوعا ما من الاستمتاع بالمشاهد السادية التي تصور عذابهم. (بالطبع قد يكون ذلك هو سر النجاح التجاري الملحوظ لأفلام «الأحجية»، على الرغم من انخفاض جودتها عموما.)
إذا كان تحليلنا صائبا، فسنجد أن منهجا يعتمد على التحليل النفسي لمتع الرعب الفني لديه ما يلزم من موارد لتفسير ظاهرة مثل «ألعاب مسلية»، وهي موارد لا يتمتع بها المنهج المعرفي. بالطبع، في وسع المنهج المعرفي تفسير جزء ما من رد فعلنا على الفيلم، ألا وهو قدرة الفيلم على جذبنا وأسر اهتمامنا. لكن إذا كانت متع الرعب الفني هي متع سردية بالكامل، فلماذا لا تؤدي جاذبية الفيلم إلى متعة؟ فرغم كل شيء، فيلم هانيكه أكثر جذبا بكثير على المستوى المعرفي مقارنة بالسياق المعتاد لأفلام الرعب الواقعي. لماذا لم يحقق فيلم هانيكه متعة تفوق متعة عروض الرعب الواقعية المعتادة، لماذا كان أقل إمتاعا؟ قد يجادل أتباع المنهج المعرفي زاعمين أن متع الفيلم السردية غطى عليها ببساطة العرض السادي الذي يقدمه الفيلم. وقد يصرون على أن في وسع المرء إيجاد متعة في سرد رعب واقعي، لكن تلك المتعة لا بد أن تتنافس مع الاستياء الناتج عن مشاهدة مشاهد مخيفة ومقززة. في حالة «ألعاب مسلية»، فرصة المتعة السردية في منافسة الاستياء الناتج عن عرض هانيكه القاسي بلا هوادة للممارسات السادية شبه منعدمة. لكن السادية التي يعرضها هانيكه معتدلة جدا مقارنة بأفلام أخرى كثيرة من نفس الجنس ، مثل فيلم «نزل» (هوستيل) (2006) و«نزل الجزء الثاني» (هوستيل بارت تو) (2007). وهي أفلام تتخصص (بنجاح غالبا) في توليد المتعة من مادة سردية أقل إثارة للاهتمام بكثير مع استحضار أقوى كثيرا لرد فعل الرعب لدى الجمهور.
ربما يرد أتباع المنهج المعرفي على حجتنا بطريقة أخرى؛ ربما يزعمون أن متع الرعب السردية تتطلب أحيانا أن «نأذن لأنفسنا» بالاستمتاع بالسرد، وعملية منح أنفسنا الإذن تشبه كثيرا عملية إخفاء إشباع الرغبة المنحرفة. فنحن نستطيع الاستمتاع بفيلم مثل «صمت الحملان» (سايلانس أوف ذا لامز) (1991) لأن في حوزتنا قصة ملفقة نجيب بها عن التساؤل حول السبب الذي يجعل مشاهدة ذلك العرض المقزز أمرا مقبولا؛ إذ سنزعم عندئذ أن قصة الفيلم عظيمة (رائعة ومرعبة على حد سواء) وأن شخصية هانيبال ليكتر شخصية ذات سحر لا ينتهي. إلا أن فيلم هانيكه لا يمكن الاستمتاع به بهذه الطريقة، رغم ما يتسم به من تشويق؛ لأنه يحرمنا من إعطاء «الإذن» لأنفسنا بالاستمتاع بالقصة. فهانيكه يجعلنا نشعر بالتفاهة وبالعار من مشاهدتنا؛ ومن ثم نعجز عن استخلاص متعة سردية من فيلم تحت هذه الظروف. ربما كان هذا هو السبب. لكن نوع المتعة السردية التي يعبر عنها كارول، المتعة المستمدة من إثارة فضولنا، لا يبدو أنها متعة آثمة تتطلب تبريرا معقدا. إذا كنا نرى الشابين المتوحشين في الفيلم مثيرين للاهتمام، وإذا كان هذا، وسيظل دوما، هو المصدر الوحيد للمتعة أثناء مشاهدة الفيلم، فلماذا إذن نشعر بالتفاهة والعار؟ يوجه هانيكه انتباهنا إلى ما يراه تواطؤا منا في العنف المصور، لكن لماذا ينبغي لنا الشعور بالذنب حيال ذلك إذا كان كل ما نفعله هو اكتساب متعة معرفية من القصة؟ إن تواطؤنا، إن وجد، ليس تواطؤا في إنتاج العنف في حد ذاته، لكنه تواطؤ في إنتاج تجسيدات العنف. (نحن لم نضبط متلبسين ونحن نسترق النظر عبر ثقب الباب لمشاهدة أناس حقيقيين يعذبون، بل كنا نشاهد فيلما أنتج عبر إنشاء ديكورات وبمشاركة ممثلين وفريق عمل وفريق لإعداد الطعام ومدرب خاص للطفل في الفيلم.) ربما ينجح النقد الأخلاقي الذي يقدمه هانيكه وربما لا؛ لكنه إذا اعتبر نهجا يهدف لحرمان الجمهور من المتعة السردية الخاصة، فمن المستبعد أن يحقق نجاحا كبيرا. إذا كانت القصة التي يقدمها هانيكه مثيرة للاهتمام، فسوف تثير اهتمام الجمهور. كيف يصبح اعتبارنا إياها مثيرة للاهتمام أمرا يتطلب تعطيل «رقيب داخلي»؟ إذا كان هذا هو كل ما يدفعنا لمشاهدة الفيلم، فيمكننا بسهولة الرد على نقد هانيكه الضمني له قائلين: إذا كان السيد هانيكه يريد أن يتوقف الناس عن الاهتمام بتجسيدات العنف، فعليه إذن أن يتوقف عن صنع أفلام مثيرة للاهتمام، أو التوقف عن صنع أفلام عنيفة. لكن هانيكه حقق نتيجة مهمة بلا شك. إن الشيء الذي نملك مبررا قويا حقا لإنكاره فيما يتعلق بخوضنا تجربة الرعب الفني هو مدى استمتاعنا بمشهد الرعب في حد ذاته. وما قام به هانيكه من استئصال جراحي للمتع المرتبطة بهذا النوع الفني والتي تمكن هذا النوع من الاستمتاع من المفترض ألا يحدث تأثيرا يذكر في المتع السردية كما يفهمها كارول. لكنه أحدث تأثيرا. إن «ألعاب مسلية» يقدم ما هو أكثر من مجرد عرض قاس لا يتوانى لسلوك سادي، بل يحرم مشاهديه على نحو منهجي من سبل التمتع بمشهد الرعب.
Unknown page