Al-shuyūʿiyya waʾl-insāniyya fī sharīʿat al-Islām
الشيوعية والإنسانية في شريعة الإسلام
Genres
وتلك كانت شنشنة الدعاة الذين قرروا أسبابهم الواهية، وقرروا أن يربطوا بها الماضي والمستقبل ولا يدعوا منها سببا واحدا يرتبط بغير ما ربطوه، وقرروا مع هذا وذاك أنها كافية للهدم والنكال، كافية لتحريم كل سعي إلى التقدم والأمان، كأنه تجديف أو تعديل في محكم التنزيل. •••
وإذا كانت الظواهر المرضية هي التفسير الحاضر القريب لبواعث الدعوة من نفوس واضعي المذهب ومنفذيه، فهي - فيما عدا المتعجلين من العابثين والمخدوعين - أقرب تفسير للإقبال على الدعوة بين الطغام الذين لا يفقهون من مجادلاتها ومباهلاتها إلا أنها تخف بهم إلى الشر فيخفون إليه بما طبعوا عليه من النقمة والحقد وكراهة الخير لكل محسود ينفسون عليه حظه من دنياه، وتأتي إليهم الشيوعية - وهم متحفزون قبلها للشر محجمون عنه إحجام الخوف والشك - فتغريهم به وتجمله في أعينهم وتسميه باسم التقدم والإصلاح، ولا تكلفهم جهدا من الأخلاق ولا جهدا من التفكير بل تعفيهم من كل جهد كانوا يستثقلونه في ظل العرف المأثور وترسلهم مع الغريزة الوحشية خفافا إلى الأذى غير محجمين عنه ولا مترددين بين مسالكه، ولا مرتابين فيما يستحقونه عند أمثالهم من الحمد والتشجيع على هذا الصنيع.
وفيما عدا المتعجلين من العابثين والمخدوعين لا تعني الشيوعية عند المقبلين عليها إلا أنها الجريمة الممنوعة تسربلت بالزينة والجمال في زي التقدم والإصلاح، وقد كانت الجريمة محرمة عليهم وهي موسومة بشناعتها وخستها وهم لا يمسكون أنفسهم عنها ولا يقدرون على مقاومتها، فإذا لاحت لهم مزوقة محبوبة مشكورة، فأحرى بهم أن يفتتنوا بها ولا يكون قصارى الأمر معها أنهم يتهيبونها ويعالجون الابتعاد عنها فيستطيعون أو لا يستطيعون.
والمتعجلون الذين يستثنون من هؤلاء الأشرار المطبوعين فريقان: فريق العابثين أصحاب الدعاوى الباطلة على المجتمع، ويكثر عديدهم بين أشباه المتعلمين، وفريق المخدوعين الذين يصيخون لوعود البر والعطف، ويكثر عديدهم بين المحرومين الذين يطلبون الإنصاف بحق، ولكنهم يصدقون كل وعد مكذوب يستغلهم به المحتالون الدجالون، أو يستغلون به لهفتهم على الإنصاف وطيب العيش باسم الشيوعية أو باسم ما شاء المحتال الدجال من فخاخ المكر والضلال.
يكثر عديد العابثين بين أشباه المتعلمين؛ لأنهم لا يفهمون من التعلم إلا أنه حجة الدعوى على المجتمع المسكين، يجيبها لهم طوعا أو يكون أهلا للشكوى والاتهام وأهلا للتحلل من قيوده والتمرد عليه، شكواهم على قدر دعواهم، ودعواهم على قدر غرورهم بما يسمونه العلم، وهم براء منه؛ لأنهم يجهلون أبسط حقائق الحياة. وأبسط حقائق الحياة أن يعمل العامل فيتعثر في طريقه مرة، ويستوي على نهجه مرة أخرى، ويظفر مع الزمن بحقه المقدور على حسب اجتهاده وكفايته، ولا يوجد في الدنيا - وهيهات أن يوجد فيها - مجتمع يقف على باب المدرسة ليلقي على إجازة التعليم نظرة عاجلة، ويلقي بين يدي صاحبها آكام الثروة ودسوت المناصب وشارات المجد والفخار ينتقي منها ما يهواه، ويرفض منها ما ليس على هواه.
ولقد سمعنا من هؤلاء من يقول: إنني أحمل الإجازة المدرسية التي يحملها رئيس الوزراء، فلماذا أتسكع أنا على أبواب الدواوين، ويتمتع هو بأكبر المناصب وأفخر الألقاب؟
وما رأينا أحدا من هؤلاء يسأل نفسه: أين هو المجتمع الذي يحاسبه بهذا الحساب، ويعترف له بالحقوق في الحياة العامة أو الحياة الخاصة على هذا الأساس.
إنهم لا يسألون أنفسهم هذا السؤال؛ لأن العبث بالمذاهب أيسر لهم من السؤال والجواب، ومن احتمال الحقائق على الخطأ أو على الصواب.
وأوضح عذرا من هؤلاء العابثين أولئك المحرومون الذين يصغون لكل «وصفة» اجتماعية إصغاء المريض الحائر لكل من يخلط له الدواء ولو عالج الداء بالداء؛ لأن الشعوذة - كيفما كانت - أمل أحب إليه من الصبر على البلاء، وأدنى إلى مستطاعه من التمييز بين دواء ودواء.
هؤلاء يقبلون على الشيوعيين، كما يقبلون على غير الشيوعيين، وينخدعون كلما انفتح أمامهم باب الخديعة فلا يتعظون بالحوادث، ولا يقدرون على المراجعة بين ماض وحاضر ولا على المقابلة بين خادع وخادع، ولعلهم لا يحبون تلك المراجعة ولا يستريحون إليها؛ لأنها عناء يشغلهم عن التعلل بالرجاء.
Unknown page