306

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

وحال القواسر حال هذه الأعراض ، لأن القواسر لا تقوم ماهيته ، ولا تلزم ما يقوم ماهيته. فإن القاسر هو الذي يرد من خارج ، فيفيد حالا لولاه لما كان لذلك الجسم تلك الحال. وليس شيء من هذه واجبا أن يكون من الماهية أو لازما للماهية ، فتوهم الجسم ولا قاسر يقسره ، ليس ممتنعا بالقياس إلى طبيعة الجسم ، وتوهم الجسم غير ذى أين يخصه أو حيز ممتنع بالقياس إلى طبيعة الجسم (1). فالجسم تلزمه فى طبيعته التي له أن يكون (2) له حيز ، ذلك الذي لو لا القاسر الذي يجوز أن لا يكون ، لكان له. وكذلك الشكل والكيف وغير ذلك ، وكذلك وضع الأجزاء إن كان له أجزاء بالفعل. فكل (3) جسم ، فله حيز طبيعى ، فإن كان ذا مكان كان حيزه مكانا.

ولقائل أن يقول : إن الأرض جرم (4) بسيط وتقتضى طبيعته اليبس (5) الذي فيه ، فلا يخلو إما أن يقتضى له شكلا أو لا يقتضى ، فإن اقتضى له شكلا فيجب أن يقتضى شكلا (6) مستديرا لبساطته ، فحينئذ إما أن يكون اليبس يساعد مقتضى طبيعته ، فيجب أن تكون الأرض إذا سلب جزء منها الشكل المستدير بأن يشكل شكلا (7) آخر ، أن يعود بطبيعته فيستدير. وليس الموجود كذلك ، وإن كان اليبس يمنع ذلك ، ويجول بين طبيعة ذلك الجزء ومقتضاه واليبس صادر عن طبيعته ، فيجب أن تكون طبيعة واحدة تقتضى معنيين متفاوتين (8) متقابلين ، وليس هذا بجائز.

فنقول إن اليبس إنما يفيض (9) عنه ليحفظ ما تقتضيه طبيعته من الشكل الطبيعى حفظا قويا جدا ، فإذا حفظ شكله ، لزم من ذلك أن يحفظ فى كل جزء ما توجبه طبيعته إيجابا أوليا من انبساط (10) الذاهب إلى شكله. فإذا ثلم شيء من شكله بقسر القاسر ، لم يكن للباقى (11) منه حس وشعور (12) بما حدث ، بل كان عليه أن يستحفظ ما (13) أوجبته الطبيعة. وإن (14) عادت الطبيعة فأوجبت انبساطا آخر كانت الطبيعة هى المناقضة لموجبها الأول ، فكان (15) حينئذ مقتضى الطبيعة بهذه (16) الحال ، ضد مقتضاها الأول ، ومخالفا لمقتضى اليبس الذي تقتضيه الطبيعة. ولا يبعد أن تكون الطبيعة تقتضى فى حال عارض ، أمرا مناقضا ومقابلا لما تقتضيه فى حال كونه سالما. فليس إذن المقتضيان (17) متضادين متمانعين (18) صادرين عن قوة واحدة بحال واحدة حتى يكون محالا ، بل أحدهما يصدر عن القوة وهى على حالها (19)

Page 310