392

ولقائل أن يقول: إنكم قد أشترطتم في مقدمات البراهين أن تكون كلية لا محالة؛ ونحن قد علمنا أن من مقدمات البراهين ما هي جزئية - وذلك إذا كانت المطالب جزئية. والبرهان الجزئي وإن لم يكن في شرف البرهان الكلي فإنه برهان يعطي اليقين والعلة، كما أن البرهان السالب وإن لم يكن في شرف البرهان الموجب، فإنه برهان يعطي اليقين والعلة في كثير من الأوقات.فيكون الجواب. إن " الكلى " يقال على وجهين : فيقال كلى لقياس الشخص المخصوص؛ ويراد به أن الحكم فيه على كلى، سواء كان على كله أو بعضه أو مهملا بعد أن يكون الموضوع كليا. ويقال كلى لقياس الجزئي والمهمل، ويراد به أن الحكم على موضوع كلى وعلى كله.

والمقدمة الجزئية غير الشخصية: فإن موضوعها كلى. والبعض أيضا الذي يختص بالحكم منها وإن لم يكن معينا فإنه في الأكثر طبيعة كلية: كقولنا بعض الحيوان ناطق.

فإذن الوجه الذي اشترطناه في هذا الموضوع تدخل فيه المقدمة الجزئية ولا تدخل الشخصية.

وقيل في التعليم الأول : ولأن الأشياء الواجبة الوقوع المتكررة بالعدد قد يبرهن عليها وتحد مثل كسوف القمر، فحري أن يشك شاك أنه كيف وقع لها مع فسادها برهان واحد.والجواب: أن كسوف القمر على الإطلاق نوع ما بذاته مقول على كسوفات قمرية جزئية فاسدة، وذلك النوع طبيعة معقولة كلية. فالبرهان والحد لتلك الطبيعة النوعية ذاتية ودائمة يقينية وكذلك الكسوف في وقت ما:فإنه وإن اتفق ألا يكون واحدا، فليس نفس تصوره كسوفا قمريا في وقت حاله وصفته كذا يمنع عن أن يقال على كثيرين حتى يكون في وقت ما بتلك الصفة كسوفات كذلك شمسية أو قمرية ؛ كما ليس تصور معنى الشمس والقمر يمنع أن يقال على كثيرين.

وعلى ما سلف لك منا شرحه، فإن إنما صار الكسوف الواقع في وقت كذا غير كثير، لا لأن معناه إذا تصور منع أن تقع فيه شركة، بل اتفق لفقدان أمور أخرى من خارج ولاستحالتها : إذ ليست الشمس إلا واحدة، والقمر إلا واحدا، والعالم إلا واحدا؛ وعرض للكسوف ما عرض للقمر نفسه على ما سلف منا الكلام فيه. وأما كسوف ما معين مشار إليه في وقت ما معين، فإنما يتناوله البرهان بالعرض كما يتناول سائر الفاسدات. وليس يقوم بالبرهان على كسوف ما من جهة ما هو كسوف ما، بل من جهة ما هو كسوف على الإطلاق يشاركه فيه كل كسوف عددي كان وتكرر؛ أو جوز الوهم وجوده معه.

ولقائل أن يقول إن الحاجة إلى كون مقدمات البرهان كلية لا تتبين إلا ببيان أن الفاسد لا يبقى به يقين؛ فكيف صار القوم يثبتون أن الفاسد لا برهان عليه لن مقدمات البرهان كلية؟ فالجواب أن الغرض ليس ذلك، ولكن معنى القول هو أنه لما كان الحكم إذا اخذ مقولا على الموضوع وليس دائما في كل واحد منه، حتى لم يكن كليا بحسب الكلى في البرهان، أعرض الحكم للشك والانتقاض إذ كان يتغير في البعض من الأعداد، والمتغير لا يقين به إذا اخذ مطلقا. وكذلك حال الجزئي المتغير إذا كان الحكم مقولا على الموضوع وليس دائما في كل وقت له، فيعرض للشك والانتقاض إذ كان يتغير في البعض من الأزمنة، والمتغير لا يقين به : فكأنه يقول : السبب الذي أوقع في المور العامية حاجة إلى ان تكون مقدمات البراهين عليها كلية، وإلا منع اليقين، موجود بعينه في الحكم على الشخصيات، وذلك هو التغير وعدم الدوام، فيكون الكلى موردا للبينة على العلة، ل لأن يكون نفس مقدمة بيان.

الفصل التاسع في تحقيق مناسبة المقدمات البرهانية والجدلية لمطالبها، وكيف يكون اختلاف العلمين في إعطاء اللم والإن

Page 449