326

فإذن ليست من جهة واحدة جهل الشئ وعلم. فقد زال تشكك رجل يقال له مانن على فيلسوف يقال له سقراط . إذ قال له: هل المطلوب عندك بالقياس معلوم، أو مجهول؟ فان كان معلوما فالطلب محال، وان كان مجهولا فكيف تعرفه اذا وجدته؟ وهل يمكن أن يظفر بالآبق من لم يعلم عينه ؟ ولم يتعرض سقراط بالمعلوم. وأما تلميذه الذي يقال له افلاطون فلما تعرض لذلك قال: إن التعلم تذكر. وكيف يستقيم هذا الذي اعتمده هذا الفيلسوف الآخر متخلصا به عن الشك والعالم بأن مل مثلث زواياه الثلاث مساوية لقائمتين عالم بالقوة بالمثلثات الجزئية، وإن كان جاهلا بها بالفعل. فكما يحس بمثلث جزئي،ويعلم ان هذا الشئ مثلث، ويخطر بالبال ما كان علمه اولا، تيقن ان هذا الشئ زواياه الثلاث مساوية لقائمتين. ولايجوز أن يكون قد تذكر شيئا علمه قبل، فان هذا المثلث الجزئي انما حدث الآن، فكيف يكون علم من قبل أن زواياه الثلاث مساوية لقائمتين ؟ بل انما كان علم اولا علما كليا، ثم علم ثانيا وقوع هذا الجزئي تحت ذلك الاول العلم الكل، فعلم ثالثا أمرا لم يعلمه قط بالفعل بل بالقوة. فاذن قد كان يعلم المطلوب لا من الوجه الذي يجهله، ويجهله لامن الوجه الذي يعلمه. فليس المطلوب اذن يجهل كل الجهل حتى اذا وجدناه لم نعلمه بوجه لايخصه، ولا ايضا نعله كل العلم حتى نستغني عن طلبه لأنا نجهله من الوجه الذي يخصه. وهذا كمن كان يعرف آبقا أبق منه بعلامة، فعرف مثلا ان كل من به تلك العلامة فهو آبقة، ولا يعرف اين آبقة الذي يطلبه، فكما يحس به يحس بالعلامة، وهو الحد الاوسط فيحكم انه الآبق المطلوب. وبالجملة فإن المعرفة اما عامية، وإما خاصية. وايضا فإن المعرفة إما معرفة بالقوة، وإما معرفة بالفعل. ولهذا السبب يمكن ان تكون عارفين بالكلي ونجهل الجزئي، لا الجهل الذي هو عدم العلم فقط، بل الجهل المضاد للعلم. مثلا بان يكون علمنا أن كل خس مرطب، ثم رأينا خسا فحسبناه مجففا فظننا انه جرجير أو غير خس، فنكون قد اخطأنا فيالصغرى، لا جهلناه فقط. وربما ظننا أن خيرا ما ليس بخير ، كالشجاعة، أنها شر؛ وكنا علمنا أن كل شر ما فليس بخير، فيكون ظننا أن خيرا ما ليس بخير. وسواء عقد في خير مثلا انه شر ما، أو انه وذلك الشر واحد. وكذلك سواء عقد في ذلك الشر وشر آخر انه واحد، وعقد ان ذلك الشر، ذلك الشر الثالث، بل هذا أشهر تأكدا لانه يدل على المساواة. لكن مذهب الغلط واحد. وربما ينتج لنا صواب عن مثل هذا الخطأ بأن يظن بخير ما أنه شر، ويظن بذلك الشر انه خير، فنكون قد انتجنا ان خيرا ما خير، فنكون انخدعنا في المقدمة دون النتيجة. وقد يعرض للانسان من جهة اخرى علم وظن بشئ واحد متقابلين معا من جهة، وليس معا من جهة. مثل أن يكون الذهن قد يصدق من جهة القياس أن ليس خارج العلم خلاء ولا ملاء. ثم انه اذا اعرض عن ذلك القياس ونظر في الامر نفسه، جاءت القوة الوهمية فرسمت وجوب أن يكون هناك خلاء أو ملاء، فتتبعها النفس فتظن أن هناك خلاء أو ملاء على سهيل غفلة، كما علمت. ثم اذا تذكرت القياس انقلعت عن طاعة الوهم. فيكون هناك من جهة علم وظن معا، ومن جهة ليس. أما الجهة التي ليس بها العلم والظن معا انه يستحيل ان تخطر جميعا بالبال، اعني صحة ان ليس هناك خلا او ملاء من القياس اليقيني الموجب له، ثم تكون النفس ظانة ان هناك خلاء او ملاء؛ وان كانت القوة الوهمية مصممة على ذلك اذ ليس الوهم والظن شيئا واحدا. وأما الجهة التي يكون بها هذا العلم والظن معا، فلان هذا العلم قد اكتسب وحصل، وليس يحتاج أن يستأنف طلبه؛ كالمشكوك فيه بقياس يستفاد والظن طرأ على هذا العلم، وهو مكتسب، ولكنه معرض عنه. وفرق بين المكتسب المعرضعنه وبين المجهول المطلق. فإن جميع مايعلمه الانسان لايكون نصب عينه. ومن هذه الجهة ما يعرض للانسان من الاختلاطعند الظنون الفاسدة فيكون الانسان متيقنا من جهة العقل انه لاضار له في الموضع المظلم، ويظن من جهة الخيالات والظنون الفاسدة أن فيه ضارا له فيجبن عن خوضه. كأن الوهم يخيل شيئا، وكأن النفس تنقاد لذلك المتخيل فيظنه ظنا أو يعتقد عقدا. ولو كان لايظنه ولا يعتقده لما كان نفس التخيل بوحشية، فإن الانسان قد تخيل امورا هائلة، فاذا لم يكن معها ظن ما لم ينفعل عنها شيئا، فيكون العقل وخصوصا الحيوانية تكون كأنها تؤثر الاعراض عن المعقول.

الفصل العشرون (ر) فصل في عكس النتائج

Page 380