291

وأما في الشرطية فإنا إذا قلنا: إن كان كل ب ا، فخطر الوضع بالبال، وخطر معه التصديق به، فإن التصديق مثلا يكون خاطرا قبل الزمان الذي ينتقل فيه الذهن إلى التالي، فضلا عن الزمان الذي استأنف فيه الاستثناء. فإذا جاء الاستثناء لم يخل إما أن يفيد إخطار شيء بالبال، أو يفيد تكرير الأمر حاصل مستعلي عنه، ليس زمان خطوره بالبال زمان التلفظ بالاستثناء؛ كما كان زمان التلفظ بالكبرى زمان خطوره بالبال، فيما استغنى عن التلفظ به. فإذن هذا الاستثناء ليس يفيد أمرا ذاتيا في الإيصال إلى الغرض؛ بل أمر سلف التصديق به. وما سلف التصديق به، فليس الدلالية عليه باللفظ مطابقا لوقت الحاجة إليه. فهو فضل بحسب اللفظ، وبحسب الإفادة جميعا، فلا يفيد أو يفيد مستغني عنه. ولا كذلك الذي إذا قيل، أفاد نفس المحتاج إليه في وقته، وكان مطابقا بدلالة لما هو محتاج إليه في الوقت. فبين إذن أن استعمال هذه المقدمات على صورة قياسية، تكلف. وغنما الواجب أن يستعمل على نحو ما قلنا، كما يقولون: لما كان كذا كذا، كان كذا. وليس كل ما كان على صورة قياس، فتكون له فائدة قياس. فإن قائلا لو قال: كل إنسان ضحاك، فصدق. وإذا قال: وكل ضحاك حيوان، صدق. ولكن هذا غير مفيد. فإنه قد علم: أن كل إنسان حيوان، ليس بعد أن علم: أنه ضحاك. فيجب أن يفهم قول المعلم الأول على هذه الصورة. ولا يظن أن يرى أن بين اللزوم عن بين الصدق بين الصدق. أو أن المقدم لا يكون موضوعا مقدما، وهو غير مشكوك فيه. كأن المقدم، إذا لم يكن مشكوكا فيه ، لم تكن القضية متصلة، حتى يكون قول القائل: إن كان الإنسان حيوانا، فهو جسم؛ أمرا مشكوكا في مقدمه، أو قولا غير متصل؛ بل معناه أن استعمال ما ليس مشكوكا في مقدمه، بأن يستثني مقدمه، إذا كان تاليه بين اللزوم، أو كان قد بان لزومه بشيء، أو هو بين نفسه، هو أمر غير قياسي، أو غير مطابق بدلالته على المحتاج إليه. فإن كان التالي لم يكن لزومه بينا، فهو ابعد، فيحتاج لا محالة في إبانته إلى قياس اقتراني، ينتهي إليه آخر الأمر ليكون الاتصال بينا، فينفع. فإذن لا تكون المقدمة المتصلة متعرضة للاستثناء من مقدمها، ما لم يكن مقدمها مشكوكا فيه ، والتالي ظاهر اللزوم والاتصال بنفسه، أو ظاهرهما بحجة.

فقد بان وصح أن القياسات الخلفية والوضعية المتصلة، فإن الفائدة من استعمالها على صورة قياسية إنما يكون إذا كانت مشكوكا في مقدمها، ويكون قد بان اتصالها بنفسه أو بقياس اقتراني، فيكون لا بد من اقتراني. وأما المقدم فلا يخلو إما أن يتبين بقياسات استثنائية، أو اقترانية. فإن تبينت باستثنائية، فلا بد من أن ذلك ينتهي في آخر الأمر إلى قياسات استثنائية مشكوك في مقدمتها، تتبين بالاقترانيات وإن تبينت في أول الأمر بقياسات اقترانية، فذلك أوضح فتكون جميع القياسات المفيدة، استعمالها على صورة قياسية يرجع إلى الاقترانيات. على أنا لا نستبعد أن تنتهي إلى استثنائية، لا يحتاج أن تستعمل على صورة قياس؛ وذلك في القليل والكثير الغالب ما قلناه.

Page 332