al-manṭiq
المنطق
ثم لا مانع يمنع من أن يقال: إن من القياسات ما هو قياس على مطلوب غير محدود، ومنه ما هو قياس على مطلوب محدود، بعد أن نعلم أنا حيث نقول في هذا الكتاب: إن كذا قياس، فإنما نعني هذا الأخير. فلا يكون اسم القياس لهذا الأخير من الجهة التي يشارك فيها الأول؛ بل من جهة جملة مشاركته وخصوصيته. على أن القياس إنما هو قياس لأجل شيء، والحجة حجته على شيء. وليس من أن المتعلم أن يبحث عن التأليفات حتى كيف يتفق أن تنتج؛ بل من شأنه أن يحصل مطلوبا فينظر هل يصح أولا يصح ويجعل القياس مسوقا إليه، فيكون كل قياس إنما يطلب لشيء ما محدود. وقولنا: آخر غيرها، يعنى بهذا أن لا تكون النتيجة قد كانت في نفسها إحدى ما سلم. فإن ذلك إن كان مسلما فما كان يحتاج أن يقاس ليلزم تسليمه؛ بل كل قول هو بهذه الصفة فليس بقياس. ويشترك الحملي والشرطي في هذا. وقوله: بالاضطرار، أي دائما، ليس في مادة دون مادة. فإنا إن قلنا: ليس أحد من الناس بفرس، وكل فرس صهال، فأوردنا محمولا مساويا للأوسط، لزم في هذه المادة وكل مادة يشاركها في صورة المساواة والانعكاس أنه ليس أحد من الناس بصاهل. ولكن ليس يلزم مثل هذا عن كل تأليف من صغرى سالبة وكبرى كلية موجبة دائما، فليس هذا التأليف قياسا. وليس يعجبني قول من يقول: إن قوله اضطرارا، ليفرق بين القياس وبين الاستقراء والمثال. وذلك أن تلك لا يلزم عنها شيء، لا دائما ولا غير دائم. فإن مقدمات الاستقراء إذا سلمت لا يلزم عنها شيء البتة، ولا المثال إذا سلم. لكن المثال الذي أوردناه، إذا سلمت المقدمات التي فيه، لزم عنه الشيء بشرط في المادة، وليس اضطرارا عن هيئة الصورة التي للتأليف. فتكون القرائن الغير منتجة يلزم عنها أشياء في مواد لها حال وشرط، ولا يلزم في غيرها من المواد؛ فيكون قد يلزم عنها شيء ولكن لا دائما. والاستقراء والتمثيل لا يلزمن منهما في مادة من المواد شيء البتة، حتى يكون يلزمن عنها شيء، ولكن اضطرارا، أي ليس دائما كما ظنوا .
الفصل السابع (ز) فصل في شكوك تعرض في حد القياس المذكور وحلها
لكن قد يلحق هذا الذي قيل شكوك: منها إن اللوازم قد لا تكون اضطرارية، بل تكون ممكنة، ويكون القياس قياسا. ومنها أن القياسات الجدلية قياسات، وليس ما يلزم عنها يلزم بالضرورة، بل في غالب الظن. والخطابيات ليس ما يلزم عنها اضطرارا. وأيضا فإن القياسات الشرطية قد تكون النتيجة فيها شيئا مما في المقدمات. فإنك إذا قلت: إن كانت الشمي طالعة فالنهار إذن موجود، فيكون اللازم مما وضع في المقدمات، وقد جعلت القياس الشرطي داخلا في هذا الحد. وكذلك إذا قلت: إما أن تكون الحركة موجودة أو لا تكون موجودة، لكن الحركة موجودة، فينج نقيض التالي وهو عين المقول في الاستثناء؛ وذلك لأنك إذا قلت: إن الحركة موجودة، أنتج " فالحركة موجودة. وأشنع من هذا مثال آخر: إنه إن كانت الحركة موجودة، فالحركة موجودة، لكن الحركة موجودة، فالحركة موجودة. وقالوا أيضا: إن ههنا مقاييس توجب النتيجة عن قول واحد كقول القائل: فلان يتحرك، فهو إذن حي، ولما كان عبد الله يكتب، فهو إذن يحرك يده.
فأما الشك الأول فينحل بأن يتذكر ما قلناه: إنه ليس معنى قلنا: يلزم اضطراريا، أن اللازم في نفسه يكون وقلا اضطراريا؛ بل إن لزومه عن القياس يكون اضطرارا، وإن كان في نفسه كذبا، أو حقا ضروريا، أو ممكنا غير ضروري. فإن الباطل والممكن قد يلزم اضطرارا عن شيء إذا سلم، ويكون في نفسه غير اضطراري.
وأما الشك الثاني فقد قيل: إنه عني باللازم ما كان لازما بالحقيقة، أو على سبيل الإقناع. وليس كذلك، فإن اللازم عني به المفهوم من اللازم حقيقة لا مجازا. ومع ذلك فإن الشك منحل، لأن ما كان من القياسات الجدلية وغيرها قياسات فإن ما فيها إذا سلم لزم عنه النتيجة اضطرارا، إنما يكون مشكوكا فيها، لأن تلك المقدمات يكون مشكوكا في أمرها. فأما كون القياس قولا إذا سلم ما فيه لزم اللازم اضطرارا، فهو أمر مشترك للجميع.
Page 225