326

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

يترجح المرجوح، ولا يكون المرجح باختياره لئلا يتسلسل فيكون اضطراريا، والاضطراري، والاتفاقي لا يوصفان بهما اتفاقا قلنا توقفه على مرجح لا يوجب كونه اضطراريا ; لأن لاختياره تأثيرا في فعله أيضا وعند بعض أصحابنا، والمعتزلة حسن بعض أفعال العباد، وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له، ويعرفان عقلا أيضا

آجلا، وكونه متعلق الذم عاجلا، والعقاب آجلا فالحسن، والقبح بالمعنيين الأولين يثبتان بالعقل اتفاقا أما بالمعنى الثالث فقد اختلفوا فيه فعند الأشعري لا يثبتان بالعقل بل بالشرع فقط.

وهذا بناء على أمرين: أحدهما أنهما ليسا لذات الفعل وليس للفعل صفة يحسن الفعل أو يقبح لأجلها عند الأشعري، وثانيهما: أن فعل العبد ليس باختياره عنده فلا يوصف بالحسن، والقبح، ومع ذلك جوز كونه متعلق الثواب، والعقاب بالشرع بناء على أن عنده لا يقبح من الله تعالى أن يثيب العبد أو يعاقبه على ما ليس باختياره لأن الحسن، والقبح لا ينسبان إلى أفعال الله تعالى عنده فالحسن، والقبيح بالمعنى الثالث يكونان عند الأشعري بمجرد كون الفعل مأمورا به، ومنهيا عنه فلهذا قال "فالحسن عند الأشعري ما أمر به" سواء كان الأمر للإيجاب أو الإباحة أو الندب "والقبيح ما نهي عنه" سواء كان النهي للتحريم أو للكراهة "وعند المعتزلة ما يحمد على فعله" سواء كان يحمد عليه شرعا أو عقلا، وهذا تفسير الحسن

...................................................................... ..........................

قوله: "اعلم أن العلماء" تحرير للمبحث، وتلخيص لمحل النزاع على ما هو الواجب في المناظرة فكل من الحسن، والقبح يطلق على ثلاث معان فبالمعنى الأول: الحلو حسن، والمر قبيح، وبالثاني العلم حسن، والجهل قبيح، وبالثالث الطاعة حسنة، والمعصية قبيحة، ومعنى كون الشيء متعلق المدح أو الذم أو الثواب أو العقاب شرعا نص الشارع عليه أو على دليله، وهو لا ينافي جواز العفو، ولذا قالوا كونه متعلق العقاب، ولم يقولوا كونه بحيث يعاقب عليه، ومحل الخلاف هو الثالث، وعند المعتزلة الأفعال حسنة، وقبيحة لذواتها، أو لصفة من صفاتها فمنها ما هو ضروري كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار، ومنها ما هو نظري كحسن الكذب النافع، وقبح الصدق الضار، ومنها ما لا يدرك إلا بالشرع كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أول يوم من شوال فإنه مما لا سبيل للعقل إليه لكن الشرع إذا ورد به كشف عن حسن، وقبح ذاتيين، وعند الأشعري لا يثبت الحسن، والقبح إلا بالشرع، وهذا مبني على أمرين يعني أن العمدة في إثبات ذلك أمران: أحدهما أن حسن الفعل، وقبحه ليسا لذات الفعل، ولا لشيء من صفاته حتى يحكم العقل بأنه حسن أو قبيح بناء على تحقق ما به الحسن أو القبح، وثانيهما أن فعل العبد اضطراري لا اختيار له فيه، والعقل لا يحكم باستحقاق في الثواب أو العقاب على ما لا اختيار للفاعل فيه. وليس المراد أن مذهب الأشعري مبني على هذين الأمرين بمعنى أنه لا بد من تحققها ليثبت مذهبه بل كل من الأمرين مستقل بإفادة مطلوبه بل، وله أدلة أخرى على مذهبه مستغنية عن الأمرين.

Page 326