258

Al-Rawḍ al-Zāhir fī sīrat al-malik al-Ẓāhir

الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر

كان رحيلنا عنك من طرابلس في يوم الأربعاء رابع وعشرين شعبان، ونزولنا أنطاكية في مستهل شهر رمضان وفي حالة النزول خرجت عساكرك للمبارزة، فكسروا، وتناصروا فما نصروا ؛ وأسر من بينهم كنداصطبل، فسأل في مراجعة أصحابك، فدخل إلى المدينة، فخرج هو وجماعة من رهبانك، وأعيان أعيانك، فتحدثوا معنا، فرأيناهم على رأيك من إتلاف النفوس بالغرض الفاسد، وأنهم رأيهم في الخير مختالف، وقولهم في الشر واحد ؛ فلما رأيناهم قد فات فيهم الفوت، وأنهم قد قدر الله عليهم الموت، رددناهم وقلنا : «نحن الساعة لكم نحاصر، وهذا هو الأول في الإنذار والآخر». فرجعوا متشبهين بفعلك، ومعتقدين أنك تدركهم بخيلك ورجلك ؛ ففي بعض ساعة مر شان المرشان، وداخل الرعب الرهبان، ولان البلاء القسطلان، وجاءهم الموت من كل مكان. وفتحناها بالسيف في الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان ؛ وقتلنا كل من اخترته الحفظها، والمحاماة عنها ؛ وما كان أحد منهم إلا وعنده شيء من الدنيا، فما بقي أحد منا إلا وعنده شيء منهم ومنها ؛ فلو رأيت خيالتك وهم به صرعی تحت أرجل الخيل، ودیارك والنهاية فيها تصول، والكسابة فيها تجول، وأموالا وهي توزن بالقنطار، وداماتك ؟ فكل أربع منهن تباع، فتشترى من مالك بدينار ؛ ولو رأيت كنائسك وصلبانها قد كسرت ونشرتی وصحتفها من الأناجيل المزورة وقد نشرت، وقبور البطارية وقد بعثرته ؛ ولو رأيت عدوك المسلم، وقد داس مكان القداس والمذبح، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس ؛ والبطارقة وقد دعموا بطارقة، وأبناء المملكة وقد دخلوا في المملكة ؛ ولو شاهدت النيران وهي في قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل نار الآخرة تحترق ؛ وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولص وكنيسة القسيان وقد زلت كل منهما وزالت ؛ لكنت تقول : يا ليتني كنت ترابا، «ويا ليتني لم أوت بهذا الخبر كتابا ». ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفي تلك النيران بماء عبر تك. ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من مغانيك، ومراكبك وقد أخذت في السويدية بمراكبك، فصارت 3 شوانيك من شوانیك ؛ ليقنت 4 أن الإله الذي أنطاك أنطاكية منك استرجعها، والرب الذي أعطاك قلعتها منك قلعها ومن الأرض اقتلعها ؛ ولتعلم أنا قد أخذنا بحمد الله منك ما كنت أخذته من حصون الإسلام، وهو دیر کوش، وشقيف تلميس، وشقيف كفردبين، وجميع ما كان لك في بلاد أنطاكية، واستنزلنا أصحابك من الصياصي وأخذناهم بالنواصي، وفرقناهم في الداني والقاصي ولم يبق شيء يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر فلو استطاع لما تسمى بالعاصي ؛ وقد أجرى دموعه ندمة، وكان يذرفها عبرة صافية فها هو أجراها بما سفكناه فيه دما.

Page 312