يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم (١) من أرض فلسطين، وروي: أنه ﷺ أمره أن يغير على ابنى صباحا وأن يحرق، وأبنى هذه هي القرية التي عند مؤتة حيث قتل أبوه زيد، وإنما أمره ليدرك ثأره، وطعن ناس في إمارته لكونه مولى حديث السّنّ، وكان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، فقال ﷺ: «إن تطعنوا في إمارته .. فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله؛ إن كان لخليقا للإمارة، وإن كان لأحبّ الناس إليّ، وإنّ هذا لمن أحبّ الناس إليّ بعده» (٢).
وابتدأ بالنبي ﷺ وجعه في أول شهر ربيع الأول (٣)، وذلك: أنه خرج في جوف الليل إلى البقيع، فدعا لهم واستغفر كالمودع للأحياء والأموات، وأصبح مريضا من يومه يشكو رأسه (٤)، فاستبطأ الناس في بعث أسامة لمرضه ﷺ، فخرج إليهم عاصبا رأسه وجلس على المنبر، وقال: «أيها الناس؛ أنفذوا جيش أسامة» (٥)، ثم نزل ﷺ، فانكمش الناس في جهازهم، فخرج أسامة بجيشه حتى نزل الجرف من المدينة على فرسخ (٦)، فضرب عسكره وتتامّ إليه الناس، وأقاموا ينتظرون ما الله قاض في رسوله.
وكان وجعه ﷺ الخاصرة، وهو عرق في الكلية إذا تحرك .. أوجع صاحبه (٧)، وكان مع ذلك يحمّ ﷺ، وروى البخاري: أنه ﷺ قال في مرض موته: «ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السّم» (٨).
(١) البلقاء: بين الشام ووادي القرى، وهي حاليا في الأردن، من مدنها: السلط، ومأدبا، والزرقاء، والداروم: قلعة بعد غزة مطلة على البحر على الطريق إلى مصر.
(٢) أخرجه البخاري (٦٦٢٧)، ومسلم (٢٤٢٦).
(٣) ذكر المصنف رحمه الله تعالى في ملخص السيرة خلافا في ابتداء مرضه، انظر (١/ ١٣٣)، وانظر كلام الحافظ في «الفتح» (٨/ ١٢٩).
(٤) أخرجه الحاكم (٣/ ٥٥)، وأحمد (٣/ ٤٨٩).
(٥) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٦٦)، وعبد الرزاق (٩٩٩٣)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ١٣٠)، وابن سعد (٢/ ٢٤٩) (٤/ ٦٧)، والطبري في «تاريخه» (٣/ ١٨٦).
(٦) الجرف: موضع على ثلاث أميال من المدينة جهة الشام، وهي الآن حي متصل بها.
(٧) هذا خلاف ما أخرجه البخاري معلقا بعد الحديث (٤٤٥٨)، وأحمد (٦/ ١١٨)، وأبو يعلى (٤٩٣٦)، وابن سعد (٢/ ٢٠٧) وغيرهم: أنه ﷺ كانت تأخذه الخاصرة، فخافوا عليه، فلدوه، ثم أفاق فقال: «ظننتم أن الله ﷿ سلطها علي، ما كان الله ليسلطها علي».والخاصرة: ذات الجنب.
(٨) سبق تخريجه في ملخص السيرة النبوية (١/ ١٣٣).