543

Murūj al-dhahab wa-maʿādin al-jawhar

مروج الذهب ومعادن الجوهر

وكان الواثق بالله محبا للنظر، مكرما لأهله، مبغضا للتقليد وأهله، محبا للإشراف على علوم الناس وآرائهم، ممن تقدم وتأخر من الفلاسفة وغيرهم من الشرعيين، فحضرهم ذات يوم جماعة من الفلاسفة والمتطببين، فجرى بحضرته أنواع من علومهم في الطبيعيات وما بعد ذلك من الإلهيات، فقال لهم الواثق: قد أحببت أن أعلم كيفية إدراك معرفة الطب ومأخذ أصوله أذلك من الحس أم من القياس والسنة؟ أم يدرك بأوائل العقل؟ أم على ذلك وطريقه يعلم عندكم من جهة السمع، كما يذهب إليه جماعة من أهل الشريعة؟ وقد كان ابن بختيشوع وابن ماسويه وميخائيل فيمن حضر، وقيل: إن حنين بن إسحاق وسلمويه فيمن حضر في هذا المجلس أيضا. فقال منهم قائل: زعم طوائف من الأطباء وكثير من متقدميهم أن الطريق الذي يدرك به الطب هو التجربة فقط، وحدوه بأنه علم يتكرر الحس على محسوس واحد في أحوال متغايرة، فيوجد بالحس في آخر الأحوال كما يوجد في أولها، والحافظ لذلك هو المجرب، وزعموا أن التجربة ترجع إلى مباد أربعة هن لها أوائل ومقدمات، وبها علمت وصحت، وإليها تنقسم التجربة، فصارت بذلك أجزاء لها، فزعموا أن قسما من تلك الأقسام طبيعي، وهو ما تفعله الطبيعة في الصحيح والمريض: من الرعاف، والعرق، والإسهال، والقيء التي تعقب في المشاهدة منفعة أو ضررا. وقسما عرضيا، وهو ما يعرض للحيوان من الحوادث والنوازل، وذلك كما يعرض للإنسان أن يجرح أو يسقط فيخرج منه دم قليل أو كثير، أو يشرب في مرضه أو صحته ماء باردا أو شرابا، فيعقب في المشاهدة منفعة أو ضررا، وقسما إراديا، وهو ما يقع من قبل النفس الناطقة، وذلك كمثل منام يراه الإنسان،. وهو أن يرى كأنه عالج مريضا به علة مشاهدة معقولة بشيء من الأشياء معروف فيبرأ ذلك المريض من مرضه، أو يخطر مثل ذلك بباله في حال فكره، فيتردد ويعطب ظنه بعطبه فيجربه بأن يفعله كما يرى في منامه، فيجده كما يرى أو يخالف ذلك، ويفعله مرارا، فيجده كذلك. وقسما هو نقل، وهو على ثلاثة أقسام: إما أن ينقل الدواء الواحد من مرض إلى مرض يشبهه، وذلك كالنقلة من ورم الحمرة إلى المعروف بالنملة، وإما من عضو إلى عضو يشبهه، وذلك كالنقلة من العضد إلى الفخد، وإما من دواء إلى دواء يشبهه، كالنقلة من السفرجل إلى الزعرور في علاج انطلاق البطن، وكل ذلك لا يعمل به عندهم إلا بالتجربة.

Page 72