217

وليس يغيب عنا في هذا المقام أن هذه الحضارة القائمة قد جلت علينا من صور البلاغة صورتين لم تلبثا أن ساهمتا في أدبنا العربي بنصيب جليل، وأعني بهما فن القصص، والتصوير البياني، على حين أننا لا نرى لهما مكانا واضحا من عناية علوم البلاغة المأثورة ومضارب النقد القديم!

سيداتي، سادتي

لست ثائرا فأدعو إلى إلغاء علوم البلاغة العربية بتاتا، كما ألغتها أمم في الغرب بتاتا، ولكنني أدعو إلى تليينها وتمرينها، حتى تصبح أشبه بالأسلوب النقدي القائم على التفطين والتذويق بحيث تتطور مع تطور الأفهام والأذواق وعلى أن يوصل تعليمها في المدارس والمعاهد بدرس الأدب نفسه، فالواقع أنه ما نضجت موهبة شاعر ولا كاتب قط بدرس علوم البلاغة؛ ولكن بطول ترديد النظر وتقليب الذهن في المأثور من روائع الآداب، إلى الارتياض بكثرة العلاج والتمرين، فإذا انفسحت مع هذا ملكة الكاتب أو الشاعر، ورهفت فطنته بترسم مذاهب النقد الفني، فقد تمت نعمة الله عليه! هذا رأيي في الجملة، وأقول «في الجملة» لأن هناك أسبابا من القول يضيق عن شرحها هذا المقام، وبعد فإذا أبينا إلا الحرص على بقاء هذه العلوم على تلكم الصورة التي دفعها إلينا السابقون، فلا شك في أن لها في دار الآثار العربية المكان الفسيح!

في الفن والمفتنين1

لا شك في أن الفن لا يستوي للمرء بمجرد التحصيل والتعليم والتمرين، ولكنه إنما يستوي بهذه إذا كانت للمرء طبيعة، وكانت له موهبة، وعلى قدر هذه الموهبة يكون حظه من الفن، ولقد تصل به، ولو كان في شباب السن، إلى النبوغ والعبقرية، وذلك أن الفن - على ما يظهر لي - قائم في النفس، إنما أعني نفس المفتن، وما التعليم والتحصيل إلا وسيلة إلى نفضه إلى عالم الأعيان الخارجية (على حد تعبير أصحاب المنطق)، ولاختصار الطريق إليه بالاستفادة بتجاريب السابقين، وطول ما فكروا وتدبروا، وتهدت إليه على الزمان أذواقهم فانتضحت به قرائحهم، وما التدريب إلا لتوثيق الصلة بين ما تعتلج به النفس، وبين الفكر أو اليد أو اللسان.

وهؤلاء النابغون في الفنون، لو حققت النظر، ليسوا من جنس واحد، بل إنهم ليردون إلى جنسين مختلفين، أو على الأصح إلى ثلاثة أجناس: فأحدها مبتكر مخترع، يخلق الفكرة خلقا، ويبتدعها ابتداعا، ويخرجها للناس على غير سابق مثال، أما الثاني فلا يبتدع ولا يبتكر؛ ولكنه صائغ ماهر يقع على فكرة غيره، ويسطو ببدع سواه، فيخرجه أحسن مخرج، ويصوره أبدع تصوير، وأما الثالث فالذي اجتمعت له الخلتان جميعا، وهؤلاء في أصحاب الفن هم الأندرون.

ولعلك تظن مع هذا أن المبتكرين أفضل وأجدى على الفن دائما من الصاغة الناظمين! والذي لا ريب عندي فيه أنهما كليهما يتساهمان في الجدوى على الفن، أما إذا لم يكن بد من فاضل فيهما ومفضول، فإن أرجح الكفتين قد يكون لهؤلاء الصاغة الماهرين، وإليك البيان:

اعلم - وفقني الله ووفقك إلى السداد - أن ذلك العبقري المبتكر من العدم، والمبدع على غير مثال، قد لا يكون لتفكيره شيء مما يصنع، ولا لعقله دخل في شيء مما يبدع، إنما هو الطبع والغريزة ينضحان بهذا، ولقد يفعلانه في سر من عقله، وفي غفلة من تقديره، فشأنه في هذا شأن القمري يشدو أبدع الشدو، ويرجع أحلى الترجيع، ما يريغ لحنا، ولا يعتمد تنغيما، وكالوردة ينفرج عنها كمها، ما بها أن يملأ أنفك طيب شذاها، ولا أن يبهر عينيك جمال مرآها!

وإني لأزعم لك أبلغ من هذا، أن كثيرا من هؤلاء المبتدعين قل أن يشعروا بما صنعوا، وقل أن يقدروا حق ما أبدعوا، إنما هم قناة بين ما استودع الله تعالى من سر خلقه نفوسهم، وبين ألسنتهم أو أيديهم.

نعم، إنهم إنما ينتضحون بما يخرجون بمحض الإلهام، أو بتلك الحاسة السادسة التي لم يكشفها العلم إلى اليوم، تلك الحاسة التي تهتدي وحدها، وفي سر من حركة العقل، إلى كثير من حقائق العلم، وإلى كثير من دقائق الفن! هذه الحاسة التي تهدي طبيبا واحدا بين عشرة أطباء يختلفون في تشخيص مرض واحد اشتبهت أعراضه بأعراض عشرة أدواء، فيقع هو على حقيقة العلة دونهم جميعا، إذ هو نفسه لا يدري كيف اهتدى ولا كيف أصاب!

Unknown page