لا لا يا سادة اللهم إن الخطب لأجل من هذا بكثير وفوق الكثير!
وبعد، فلو قد ذهب ذاهب في سرد أمثال هذه الشواهد من كتاب الله تعالى وحديث الرسول
صلى الله عليه وسلم ، وما أثر عن فحول البلاغة من الخطباء والكتاب والشعراء، لاستهلك في ذلك الزمن الطويل.
وهنا شيء لا أحب أن أتجاوز هذا المقام دون أن أشير إليه: ذلكم أن من علل الحسن في الفنون الجميلة ما يدق حتى تعيي الترجمة عنه على اللسان والقلم جميعا، وإن تعلقت به الفطن وأصابته الأذواق.
ومما يتصل بهذا الباب ما روي من أن بعض الخلفاء العباسيين قال لإسحاق الموصلي ذات يوم: «صف لي جيد الغناء» فقال: «يا أمير المؤمنين إن من الأشياء أشياء تصيبها المعرفة، وتعجز عن أدائها الصفة!»
4
ولست أستدل على هذا بأبين من صنيع عبد القادر الجرجاني في كتابه «دلائل الإعجاز»، فإنا كثيرا ما نراه يحاول بكل ما أوتي من بسطة علم، ونفوذ فكر، وسطوة قلم، أن يقع على إحدى دقائق الحسن في الآية من الكتاب، فلا يصيب الصميم وإن أجهدته كثرة اللف والدوران، على أنه إذا عجز عن جلو الحقيقة بالنص، فإنه محصلها كاملة في نفس قارئه، وواصلها بذوقه، إذا كان ممن يجرون من الصناعة على عرق، وذلك بالبراعة في التنمية والتفطين.
سيداتي، سادتي
لعل من أظهر ما نحسه من ضعف النقد الأدبي - أو بعبارة أبين، من قصور علوم البلاغة العربية في هذا العصر - أن سلفنا وجهوا كل عنايتهم إلى النقد الجزئي، أعني نقد الكلمة في الجملة، أو نقد الجملة في العبارة، فإذا كان الكلام نظما جرى النقد للبيت مستقلا، وأحيانا للبيت من حيث اتصاله بما قبله أو بما بعده، أي النقد (بالقطاعي) على تعبير التجار.
أما نقد الكلام مجتمع الشمل، وتناوله من حيث استواء الصورة، واتصال المعاني، واتساق الأقطار، وتلاحم الأجزاء، فذلك ما لم يكن له من نقدة البلاغة حظ جليل!
Unknown page