Mudhakkira fiqh
مذكرة فقه
Editor
صلاح الدين محمود السعيد
Publisher
دار الغد الجديد
Edition
الأولى
Publication Year
1328 AH
Publisher Location
مصر
قال بعض العلماء: إنه يجوز عقد الذمة لغير هؤلاء الأصناف الثلاثة بدليل أن الرسول ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر مع أنهم ليسوا من أهل الكتاب، دل ذلك على جواز أخذها من سائر الكفار، واستدلوا أيضًا بحديث بريدة بن الحصيب أن الرسول ﷺ كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرًا ثم أمره أن يدعو من لقيه من المشركين إلى ثلاث خصال؛ وذكر منها: الجزية(١)، والخصال هي: الإسلام ثم الجزية ثم القتال. دل ذلك على جواز أخذ الجزية من المشركين عامة، وهذا القول: هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم على أن الذمة تعقد لكل الكفار.
ما يترتب على عقد الذمة:
إذا اتفق الإمام، والكفار الذين عقدت لهم الذمة فإنه يترتب على ذلك:
١ - حماية المعاهدين من الضرر والأذى؛ فلا يُمكن المسلمون من أذيتهم؛ لأنهم في عهد المسلمين، ولو جاء العدو من الخارج وجب علينا حمايتهم، وهذا ما داموا في بلادنا ويؤدون الجزية وقائمون بالواجب، أما غير أهل الذمة فلا يلزمنا حمايتهم لكننا لا نعتدي عليهم اعتداءً عامًا. يترتب على عقد الذمة أخذ أهل الذمة بأحكام الإسلام في المال والدم والعرض أي: أنهم إذا أتلفوا شيئًا من المال أو من الدم أو العرض فإنهم يؤاخذون به على حسب ما تقتضيه القواعد الشرعية؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] وكذلك يترتب على العقد أنه يجب علينا إقامة الحدود عليهم، فيما يعتقدون تحريمه مثل: الزنا فهو محرم في جميع الشرائع؛ فإذا زنى أحد من أهل الذمة أقيم عليه الحد بالرجم إن كان محصنًا أو الجلد والتغريب إن كان بكرًا، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه رجم اليهوديين اللذين زنيا، وهما رجل وامرأة من اليهود زنيا وكانت شريعة اليهود أن الزانيين لا يرجمان ولكن لما كثر الزنا في أشرافهم رغبوا عن الرجم فاصطنعوا لهم حدًا، وهو أن يركب الزاني والزانية على بهيمة، ويكون وجه أحدهما إلى دبرها ثم يطاف بهم في الأسواق وتسود وجوههما وبهذا يكون الزاني والزانية قد طهرا من الزنا.
فلما جاء الإسلام أحبوا أن لا يكون هذا الشيء. وحصل الزنا منهم وجاءوا إلى الرسول ﷺ فأمر برجمهم، فقالوا: إن هذا ليس في شريعتنا فدعا بالتوراة فجعل القارئ يقرأ، ووضع يده على آية الرجم فقال عبد الله بن سلام - وكان حبراً من أحبار اليهود، وقد أسلم -: ارفع يدك فلما رفع يده إذا آية الرجم فيها بينة واضحة فأمر الرسول ﷺ برجمهما
(١) صحيح: رواه مسلم (١٧٣١) وأحمد (٢٢٥٢١) من حديث بريدة بنت الحصيب رضي الله عنها.
160