وصل بي إلى دار فأجلسني على بابها وقال: اجلس يا محمد حتى أخرج إليك. قال: فما لبثت إلا يسيرًا حتى خرج وقال: ادخل يا محمد فدخلت وطلعت فإذا أنا بمكان واسع وفوقه مرتبة وجمع كثير فيهم يحيى بن خالد والفضل وجعفر وسائر أهل الدولة. قال: فأخرج مولود من باب عن يمين الفضل، وكانت ليلة سابعة ولا علم لي به، فأقبلوا يقرؤون ومجامر الندى تختلف بينهم، والشماع المعنبرة تضيء بأيدي الخدم، فلما فرغوا من ختمتهم قام الشعراء، كل يهنيه بطلعته ويبشره برؤيته، فنثرت عليهم الدنانير مطيبة بالمسك، فما بقي أحد إلا أخذ في كمه، وأخذت معهم، وخرج الناس والشعراء، وخرجت معهم، فلحقني خادمان، وقالا: ارجع يا محمد، فرجعت فلقيت الفضل وهو جالس مع ابنه أو قال مع أبيه بالمثناة من تحت بعد الموحدة، فقال: يا محمد قد سمعت ما كان من هذه الليلة والله ما أعجبني من أشعارهم لا قليل ولا كثير، وقد أحببت أن تسمعني في المولود شيئًا، قال فقلت: يا سيدي هيبتك تمنعني من قول الشعر وغيره، قال: لا بد لك ولو بيتًا واحدًا فقليلك كثير، فأطرقت ساعة، ثم قلت: يا سيدي، حضرني بيتان، قال: هاتهما فأنشأت أقول:
ويفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل
ويعرف فيه الخير عند ولادة ... ببذل الندى والجود والمجد والفضل
قال: فتهلل وجهه فرحًا وقال: ما سررت قط بمثل هذا، وأمر لي بعشرة آلاف دينار وقال: خذها يا محمد فهو أول حقك، فأخذت المال وخرجت وأنا من أشد الناس فرحًا، واشتريت به أرضًا وعقارًا وفتح الله علي وكثر مالي وعظم جاهي، فما أقمت إلا يسيرًا حتى دارت على البرامكة الدائرة وكان عندي حمام بإزاء داري، فأمرت قيم الحمام أن ينظفه ولا يدخله أحد، ثم دخلت فيه وقضيت ما أحتاج إليه وأرسلت إلي قيم الحمام أطلب منه أن يرسل إلي بمن يدلكني ويغمزني، فأرسل إلي بصبي حسن الوجه فدلكني وغمزني، فلما استلقيت على قفاي ذكرت أيام البرامكة، ان جميع ما أملكه من فضل الله تعالى هو على يد الفضل وذكرت البيتين فقلت:
ويفرح بالمولود من آل برمك ... ولا سيما إن كان من ولد الفضل
ويعرف فيه الخير عند ولادة ... ببذل الندى والجود والمجد والفضل
قال فرأيت الصبي الذي كان يدلكني قد انقلبت عيناه وانتفخت أوداجه وسقط مغشيًا عليه، فظننت أنه مجنون فأخذت ثيابي ومضيت إلى منزلي وأمرت إلى قيم الحمام، فلما حضر قلت: ارسلت إلي المجنون يدلكني ويغمزني الحمد لله على السلامة منه، قال والله يا سيدي ما به جنون، وإان له عندي سنا كثيرة ما رأيت منه شيئًا، فقلت: علي به الساعة، فلما حضر أنسته من نفسي حتى اطمأنت نفسه وقلت: وما ذلك العارض الذي رأيته منك؟ قال لي