Miftāḥ al-wuṣūl ilā bināʾ al-furūʿ ʿalā al-uṣūl
مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول
Editor
محمد علي فركوس
Publisher
المكتبة المكية ومؤسسة الريان
Edition
الأولى
Publication Year
1419 AH
Publisher Location
مكة المكرمة وبيروت
Regions
•Morocco
Empires & Eras
Marīnids (N Africa), 614-869 / 1217-1465
مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول
للإمام الشريف أبي عبد الله محمد بن أحمد الحسني التلمساني ت: ٧٧١ هـ
دراسة وتحقيق/
محمد علي فركوس
Unknown page
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الشيخ الفقيه والإمام العالم الفذ، العلامة العلم فارس المعقول والمنقول وصاحب الفروع والأصول: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي الشريف الحسني التلمساني.
الحمد لله الذي خلق الخلق ليبرهنوا عليه، وبعث فيهم رسلًا منهم يهدونهم إليه صلى الله عليهم عمومًا، وعلى محمد وآله خصوصًا صلاة نجدها بين يديه.
أما بعد:
فإن العلم أجمل السجايا الإنسانية، وأجزل العطايا الربانية، لا سيما
1 / 295
علم الشريعة، إذ هو في سماء المعلوات أسطع بدرًا، وأهله من بين أولي الدرجات أرفع قدرًا، بجنة رعايته يتحصن يوم الفزع الأكبر من العذاب الأليم، وبنور هدايته يستضاء في ظلم الحشر إلى جنات النعيم، فلقد فاز بالسعادة من أحيى به رسمًا داثرًا، وحاز مع المسلمين فيه قسمًا وافرًا.
ولما كان مدوخ ملوك العرب والعجم، ومصرف يده الكريمة في معلومات السيف والقلم، جامع كلمة الإسلام بعد شتاتها، وقامع الفجرة الظلام عن افتياتها، حتى امتدت على الرعية طنب أمانه، فلبسوا من جميل ظلها، بردًا سابغًا، فهم في حجر كفالتها هاجعون، وسحت عليهم سحب إحسانه فوردوا من جزيل فضلها وردًا سائغًا فهم بوثيق كفايتها وادعون، قد صرف عنهم ما يرهبون، وساق إليهم ما يرغبون، مولى الأنام، الخليفة الإمام أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين: أبو عنان أبقاه الله تعالى وسوانح الأقدار قاضية بإصعاده،
1 / 296
وسوارح الأعصار ماضية في إسعاده، قد جاز بذهنه الثاقب الراجح في تحسين الدلائل مهما صعبا، وحاز برأيه الصائب الناجح في تحصيل المسائل موردًا عذبًا، حتى صار يفصل في مضيق المناظرات بين أربابها، ويجلو دجى المشكلات ويلي كشف حجابها، فأردت أن أضرب بهذا المختصر في اكتساب القربة إليه قدحًا معلي وسهما، وأجمع فيه من بديع الحقائق ورفيع الدقائق نكتا وعلمًا، وفضله - أيده الله - يقضي بحسن القبول، ويقتضي لمؤلفه غاية المأمول.
وها أنا أشرع فيه بحول الله تعالى، وهو المستعان، وعليه التكلان.
اعلم أن ما يتمسك به المستدل على حكم من الأحكام في المسائل الفقهية منحصر في جنسين: دليل بنفسه، ومتضمن للدليل.
الجنس الأول: الدليل بنفسه، وهو يتنوع نوعين: أصل بنفسه، ولازم عن أصل.
1 / 297
النوع الأول: الأصل بنفسه، وهو صنفان: أصل نقلي، وأصل عقلي.
الصنف الأول: هو الأصل النقلي.
اعلم أن الأصل النقلي يشترط فيه أن يكون صحيح السند إلى الشارع صلوات الله عليه، متضح الدلالة على الحكم المطلوب، مستمر الأحكام راجحًا على كل ما يعارضه، فهذه أربعة شروط ينبغي أن نعقد في كل شرط بابًا.
1 / 298
الباب الأول في السند
اعلم أن الأصل النقلي إما أن ينقل تواترًا وإما أن ينقل آحادًا.
والمتواتر: ﴿خبر جماعة يستحيل اتفاقهم على الكذب﴾.
وخبر الآحاد: ﴿ما لا يبلغ حد التواتر﴾.
1 / 299
فينبغي أن نعقد في كل قسم من هذين القسمين فصلًا.
1 / 300
الفصل الأول: في التواتر
اعلم أن الأصل المستدل به: إما من الكتاب وإما من السنة.
فأما الكتاب فلابد من كونه متواترًا، فإن لم يكن متواترًا لم يكن قرآنا. فالاعتراض على من احتج بدليل يزعم أنه من القرآن ولم يكن متواترًا بإبطال كونه متواترًا.
ومثاله: احتجاج أصحاب الشافعي على أن خمس رضعات هي التي توجب الحرمة، فإن كانت أقل فلا حرمة بما في صحيح مسلم عن
1 / 301
عائشة ﵂ قالت: ﴿كان فيما أنزل من القرأن عشر رضعات معلومات يحرمن﴾ فنسخن بخمس رضعات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن
1 / 302
مما يقرأ من القرآن.
فيقول أصحابنا: هذا باطل، لأنه لو كان قرآنا لكان متواترًا، وليس بمتواتر، فليس بقرأن.
والجواب عندهم: إن التواتر شرط في التلاوة لا شرط في الحكم، وقصد المستدل بهذا إثبات حكم الخمس لا إثبات تلاوتها، فهذا جواب الشافعية عن هذا الاعتراض.
ومن ذلك استدلال الحنفية على أن المكفر إذا حنث بالله فصيام ثلاثة أيام من شرطه أن تكون متتابعة، فإن فرقها لم تجزه لقراءة ابن
1 / 303