866

المسألة الثالثة [في الدلالة على أن العاصي فاعل للمعصية]

غضب الله على العصاة دليل على كونهم الفاعلين للمعصية وإلا لقبح الغضب عليهم، وقالت المجبرة: بل هو دليل على كونه خالق المعصية فيهم، قال الرازي في تقرير احتجاجهم بالآية قال أصحابنا: لما ذكر غضب الله عليهم وأتبعه بكونهم ضالين دل ذلك على أن غضب الله عليهم علة لكونهم ضالين، وحينئذ تكون صفة الله تعالى مؤثرة في صفة العبد، أما لو قلنا: إن كونهم ضالين يوجب غضب الله عليهم لزم أن تكون صفة العبد مؤثرة في صفة الله تعالى وذلك محال.

والجواب من وجوه:

أحدها: أن المعلوم بالضرورة أن معاقبة العبد على فعل غيره ظلم لا يجوز من الله فعله، وقد قال الله تعالى: {ولا يظلم ربك أحدا}[الكهف:49]، وقال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}[فاطر:18 ]وكل مذهب يؤدي إلى مخالفة ضرورة العقل والنقل وجب كونه باطلا.

الثاني: أن هذا التقرير الذي ذكروه لا يصدر من عاقل فضلا عمن يدعي التقدم في العلم، وذلك أن الروايات قد تكاثرت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن جمهور السلف من آل محمد وغيرهم أن المراد بالمغضوب عليهم اليهود، وبالضالين: النصارى، وادعى ابن أبي حاتم: إجماع المفسرين على ذلك، وقال الرازي: إنه المشهور، وحكى احتمالين آخرين:

أحدهما: أن المغضوب عليهم كل من أخطأ في الأعمال الظاهرة وهم الفساق، والضالين: كل من أخطأ في الاعتقاد وقال: هو الأولى.

والثاني: أن المغضوب عليهم الكفار، والضالين المنافقون ، وعلى كل حال فلا يصح أن يكون ضلال النصارى علة في الغضب على اليهود، وكذلك في الاحتمالين الذين ذكرهما هذا لا يقول به عاقل.

Page 874

Miftāḥ al-saʿāda | Usul