864

المسلك الرابع

ذكره أبو السعود وهو: أنه يجوز حمله على التمثيل بأن يشبه الهيئة المنتزعة من سخطه تعالى للعصاة، وإرادة الانتقام منهم لمعاصيهم بما ينتزع من حال الملك إذا غضب على الذين عصوه وأراد أن ينتقم منهم ويعاقبهم.

وقال السيد (محمد بن عز الدين) المفتي رحمه الله: الواجب في الغضب ونحوه من صفات الأفعال اعتقاد معناها على المعنى الذي يليق بالباري تعالى، واحتج بقول علي عليه السلام : (يريد ولا يضمر، ويحب ويرضى من غير رقة، ويغضب ويبغض من غير مشقة) قال وإنما اخترنا ذلك للاختلاف في معناها.

قلت: أما ابن أبي الحديد فقد حمل كلام أمير المؤمنين عليه السلام على محمل يوافق بينه وبين كلام الجمهور، فقال في تعليل كونه يحب ويرضى من غير رقة...إلخ، وذلك أن محبته للعبد إرادته أن يثيبه، ورضاه عنه أن يحمد فعله، وهذا يصح ويطلق على الباري لا كإطلاقه علينا؛ لأن هذه الأوصاف يقتضي إطلاقها علينا رقة القلب والباري تعالى ليس بجسم، وأما بغضه للعبد فإرادة عقابه وغضبه كراهية فعله ووعيده بإنزال العقاب به، وفي الأغلب إنما يطلق ذلك علينا ويصح منا مع مشقة تنالنا من إزعاج القلب وغليان دمه، والباري تعالى ليس بجسم ، وقريب مما فسر به ابن أبي الحديد كلام علي عليه السلام ما ذكره ابن جرير عن بعضهم، وهو أن الغضب من الله تعالى له معنى مفهوم كغضب غيره تعالى، إلا أنهما وإن اتفقا في إثبات المعنى لكل منهما، فالمعنيان مختلفان لأن غضب الآدمي يزعجه ويشق عليه بخلاف الباري تعالى إذ لا تحله الآفات، قال: ولكنه له صفة كالعلم والقدرة على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد التي هي معارف القلوب وقواهم التي توجد مع الأفعال وتعدم بعدمها.

Page 872