Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
احتج جعفر بن حرب ومن وافقه إما على عدم وجوب اللطف الذي يستحق من الثواب مع عدمه أكثر مما يستحقه معه، فلأن الغرض التعريض لمنافع الثواب، وقد عرضه مع عدم اللطف لمنافع لا تنال مع حصوله، وإنما أتى المكلف من جهة نفسه، وتكون هذه الصورة كزيادة التكليف بأنواع من التكاليف إذا علم الله أنه بسبب تلك الزيادة يخل بفعل ما يكلفه فيستحق العقاب، ولا شك أن وجه حسن هذه الزيادة كونها تعريضا لمنافع لا تنال إلا بها، فلذلك يحسن التكليف مع عدم اللطف لمثل ذلك، واحتجوا على وجوبه أنه لم يستحق من الثواب مع عدمه أكثر مما يستحقه مع وجوده بأنه لا وجه يقتضي حسن الإخلال به حينئذ، بل يكون ناقضا للغرض بالتكليف.
والجواب من وجوه:
أحدها: ما ذكره قاضي القضاة من أن ذلك يؤدي إلى أن لا يجب على الله لطف، لأنه ما من فعل إلا وهو مع اللطف أسهل، ومع عدمه أشق، والثواب يزداد بكثرة المشقة، قال الإمام عز الدين: وفيه نظر، فليس بمسلم على الإطلاق.
الثاني: أنه يلزم أن يكون ثواب الأنبياء" والملائكة أقل من ثواب غيرهم لتحقق أنواع اللطف فيهم دون غيرهم، والثواب على قدر المشقة.
الثالث: ما مر من أن منع اللطف في نقض الغرض كالمنع من الفعل، فإذا علم من حال المكلف أنه لا يؤمن إلا مع اللطف وجب فعله، ولو كان إيمانه مع عدمه أكثر ثوابا؛ لأن وصول بعض النفع حيث أمكن أولى من فوات جميعه، وإلا عاد علىالغرض بالنقض، وهذا بخلاف تكليف من علم من حاله أنه يكفر إذ لم يمكن وجه يصل به إلى بعض النفع كما أمكن هنا، فحسن تكليفه لأن فيه تعريضا تاما لتحصيل المنفعة ولم يكن فوتها إلا من جهته؛ لأن المكلف له لم يبق في مقدوره أمر يحسن منه فعله فيصل به إلى ذلك النفع أو بعضه، فافترق الصورتان.
Page 840