Miftāḥ al-saʿāda
مفتاح السعادة
الوجه الثاني: ذكره أبو علي، وهو أن في العلم بالفناء لطفا لأن المكلف إذا علم أن جزاء عمله فعلا كان أو تركا يتراخى أبلغ ما يكون من التراخي، وذلك بتوسط الفناء، فإنه يكون أقرب إلى أن يعمله للوجه الذي لأجله يحسن ويجب، ومع عدم التراخي يفعله للثواب ويتركه للعقاب فلا يأتي بهما على الوجه الذي كلف به، وإذا كان لطفا في ذلك فتوسط الفناء أقوى في تحصيل الغرض، ومن حق اللطف إيقاعه على أبلغ الوجوه التي يحصل معها الغرض به، وهذا كلامه في وجوب الفناء، وأما توسط الموت فلأنه لا بد لمحل الحياة منه أو من الحياة عنده، والشيء الذي يفتقر المحل إليه لا يقال لفاعله: لم فعله.
قال (الإمام عزالدين) عليه السلام : وتعليل الشيخين متفق في المعنى، وإن اختلف في العبارة، وتلخيصه ومعناه مجموع أمرين:
أحدهما: أن الفناء لطف للمكلف في أن يفعل ما كلف للوجه الذي كلف لا للثواب، وتعليله أن المكلف إذا علم تأخير الثواب وتراخيه وتقدم الفناء عليه دعاه ذلك إلى أن يفعل الواجب لوجوبه لا للثواب، وإذا كان الثواب معجلا متقدما ولا فناء، يكون فعل المكلف الواجب للثواب لا للوجوب.
الأمر الثاني: أن الثواب والعقاب إذا كانا موعودا بهما عقيب ذات التكليف ولا فناء يكون، كان المكلف ملجأ مدفوعا إلى فعل ما كلف ولا اختيار له في الترك لقوة الداعي إلى ترك المقبحات وجوبا، ويكون كالممنوع من الفعل لقوة الصارف فيبطل التكليف لعدم الاختيار، وعدم تردد الداعي، ويصير الحال في ذلك كمن وعد على عمل أمر به يسير المشقة بأموال عظيمة، وممالك جمة في غد، وتوعد على تركه بعقوبة لا يحاط بوصفها في عذابها، والواعد والمتوعد ممن يعلم صدقه وقدرته، فإن المأمور يكون ملجأ إلى الفعل لا محالة.
Page 735