660

قلت: وهذا هو الحق، والاختلاف السابق في التحقيق راجع إليه فإن القائلين بالضرورة مطلقا أو في بعض الصور إنما بنوا كلامهم على أن العلم بالمقدمات ضروري وهو العلم بالأعراض وحدوثها وعدم خلو الجسم منها، وعدم تقدمه عليها، والقائلين بأنها استدلالية لم تثبت عندهم هذه الأمور أو بعضها إلا دلالة، وأما أهل التفصيل فنظروا إلى أن العلم ببعض الصور كحدوث ما لم يخل من المحدث على الجملة ضروري، فلذا قالوا في الصورة الكلية: إنها ضرورية وبعضها استدلالي لتوقفه على غيره، كما في صورة ملازمة الجسم للعرض فإن العلم بحدوث الأجسام لأجل الملازمة متوقف على ثبوت الأعراض وحدوثها وملازمتها، وعدم تقدم الجسم عليها، وذلك لا يعلم إلا دلالة، ولذا قال الإمام عز الدين عليه السلام : وها هنا صورة لهذه الدعوى وهو أن يقال: الأجسام لم تخل من هذه الأكوان ولم تتقدمها، فيجب أن تكون محدثة.

قيل: فهذه تكون استدلالية اتفاقا لتوقفها على ثبوت الأكوان وحدوثها وأن الجسم لم يخل منها، وكلها استدلالية، وما توقف على الاستدلالي فهو مثله.

الجهة الثالثة: في ذكر الخلاف في هذا الأصل، فالذي عليه أكثر الناس من أهل الإسلام وغيرهم أن ملازمة الجسم للحوادث يستلزم حدوثه، وخالف ابن الراوندي وحكاه في المنهاج عن الفلاسفة، وفي غيره عن بعضهم فقالوا بقدم الجسم مع أنه لا يخلو من الأعراض المحدثة قالوا: لكنها تتداول عليه ويحدث منها حادث قبله حادث إلى ما لا نهاية له من قبل أوله، فالجسم عندهم قديم والأعراض محدثة.

قال (النجري): ومعنى أنها محدثة أن كل واحد من آحادها محدث، وإلا فجملتها قديمة عندهم.

لنا أن الجسم إذا لم يخل من الحوادث ولم يتقدمها وجب أن يكون وجوده كوجودها، وقد ثبت بما مر أنه لم يخل منها ولم يتقدمها وأنها محدثة، فوجب في الجسم مثلها كالتوأمين إذا ولدا معا فإنه إذا كان لأحدهما عشر سنين وجب أن يكون للآخر مثله.

Page 666