629

وقد تنبه لما في هذا الوجه من الوهم في تفسير مقاصد القائلين بالجوهر السيد العلامة المحقق أحمد بن محمد لقمان رحمه الله، فإنه قال بعد أن حكى الوجه الذي ذكرناه في الرد لكلام المعتزلة ما حاصله أنهم إنما يريدون بقولهم إن له جهة واحدة أن تلك الجهة باعتبار ما يكون فيه من الجسم؛ لأنه عندهم جزء من الجسم لطيف لا ينقسم، فدل على أنه ليس في جهتين من الفراغ، وإلا لقبل القسمة، وكان في جهة واحدة لئلا يكون عدما محضا، وأما أن له أربع جهات منفصلة عنه ممتازة عنه على حد امتيازها من الجسم، فذلك مما لا ينكر، فظهر لك أن معنى قولهم غير شاغل للحيز من ثلاث جهات أنه إذا كان في جهة فوق مثلا كان في جهة تحت ويمنة ويسرة فراغا؛ إذ لا جزء معه فيها، وإلا لقبل القسمة إليه، والمعروف خلاف ذلك، قال: وكون في الأجسام ما لا يقبل القسمة لا ينكره العقل، وهو الذي يريدونه بالجوهر الفرد، فتأمل. والله أعلم.

قلت: وقوله إن له أربع جهات تبع فيه إثباتها في قول الإمام القاسم بن محمد عليه السلام في الأساس إنهم أثبتوا ما لا يعقل، وهو قولهم بالجوهر غير مانع للحيز من ثلاث جهات دون الرابعة، وقد عرفت مما سبق أنهم يثبتون له ست جهات، وإنما اختلفوا هل ثبوها له لنفسه أو بانضمامه إلى غيره، مع أنهم لم يحدوه بأنه ما يشغل الحيز من جهة واحدة فقط، وإنما حدوه بما مر.

الوجه الثاني: من الوجوه التي يبطل بها ثبوت الجوهر أنه لم يرد به عقل ولا سمع، بل القول به بدعة في الدين، ولا طريق إليه إلا التوهم لأقل ما يمكن أن ينقسم إليه الجسم؛ إذ العقل يقصر عن إدراك أجسام الملائكة وغيرهم من الخلق فضلا عن إدراك جزء لا يقبل القسمة.

قلت: هذا الوجه مبني على أنه لا دليل عليه، وللخصم أن يقول: أما من السمع فمسلم أنه لا دليل عليه، ونحن نسلم أنا لا ندركه بالمشاهدة للطافته، لكنا لا نسلم أن العقل لا يدركه، بل هو يدركه كما ذكره ابن لقمان.

Page 635